رفتن به محتوای اصلی

كاتبة تطلب حرق ماتكتبونه

شارون جونز
AvaToday caption
تشارك الكاتبة شارون جونز، وهي بالأساس مصممة غرافيك من شمال بريطانيا، القراء عبر مقابلة أجرتها "مارغريتا تارتاكوفسكي" في مجلة "بسيكسنترال" التي تعنى بالصحة النفسية والتطوير الذاتي
posted onJune 18, 2021
noدیدگاه

"أحد الأشياء التي أحبها في وسائل التواصل الاجتماعي هو أننا نحصل على لمحة نادرة عن العملية الإبداعية لعديد من الكتاب والفنانين والمصورين والمبدعين المحتملين. أحب أن أرى كيف يصنع الناس، المسودات المختلفة المبدعة، وأجزاء ومراحل من المشروع الإبداعي من خلال الكتابات التي يعبر فيها رواد مواقع التواصل الاجتماعي عن أنفسهم بعد أن كانوا في زمن يعود لأكثر من عقدين ونيف إلى الوراء، يفعلون ذلك على الورق وفي ما بينهم وبين أنفسهم. أحب تعلم ما يلهمهم. أحب رؤية كيفية وصولهم إلى المنتج الإبداعي الخام أكثر من رؤية المنتج نفسه".

هكذا تستهل مؤلفة كتاب "حرق بعد الكتابة" إحدى المقابلات التي أجريت معها بعد أن سجل الكتاب نسبة مبيعات عالية عبر العالم وصار حديث الناس. ثم تستدرك بالشرح: "لكننا ندرك جيداً أن هنالك جانباً آخر للنشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي: مراقبة أنفسنا. فنحن نعلم أن الآخرين سيقرؤون كلماتنا ويشاهدون صورنا، لذلك من الطبيعي أن نفرض رقابة على ما ننشره. هذا ليس بالضرورة أمراً سيئاً. لا نحتاج إلى الكشف عن كل شيء عن أنفسنا، ومن المهم حماية أنفسنا عبر الإنترنت. ومع ذلك، لأننا نعلم أن الآخرين سيرون أشياءنا، فقد نكون أقل صدقاً في التعبير عن أنفسنا". وتعتقد شارون جونز أن ذلك يتسبب مع الوقت في جهل حقيقتنا الذاتية تحت غبار الرقابة الذاتية السميك. وهنا يأتي دور كتاب شارون جونز "حرق بعد الكتابة".

للوهلة الأولى يوحي بأنه عنوان لكتاب أدبي أو نقدي لكونه يتعلق بالكتابة. لكنه ليس كذلك تماماً، فهو ينتمي إلى كتب التنمية البشرية وأدب تطوير المهارات الذاتية التي تنتشر عبر العالم، وتستقطب اهتماماً واسعاً من القراء. إنه كتاب يدعونا للتعرف إلى أنفسنا ومكاشفتها، عبر إجراء مقابلة شخصية مع أنفسنا على صفحاته من خلال عديد من الأسئلة التي يطرحها... أو نتعلم أن نطرحها على أنفسنا مهما كانت عميقة أو سطحية، محزنة أم ممتعة، أو حتى ساخرة ومن غير خوف أو وجل من فضح أبسط أسرارنا وأعمقها على السواء.

الأسئلة التي يطرحها الكتاب علينا قد تتناول أموراً بسيطة ومحيرة وعميقة تقبع في الخفاء، حتى عن أنفسنا. نسيناها أو تجاهلناها أو أخفيناها عمداً حسب عوامل نفسية أو اعتبارات اجتماعية تمنعنا من البوح ليس أمام الآخرين، بل حتى بيننا وبين أنفسنا. هذه المواجهة مع الذات التي يقدمها كتاب "حرق ما بعد الكتابة"، تتم عبر شروط صارمة وفق عقد مبرم، يشترط في مقدمته الصدق المطلق، ويوفر ميزة عدم المشاركة التي تسود عالم الإنترنت. ما يتيح لنا التعرف إلى أنفسنا دون أن يشاهد إجاباتنا أحد. فهو يشجعنا على عدم مشاركة أي شيء عن أنفسنا، لا عبر ما نكتبه من إجابات، أو نتجنب البوح به عبر مواقع التواصل الاجتماعي خشية أن نعطي أياً كان فرصة أن يسيء فهمنا أو يصيبنا لاحقاً بضرر. وهو ما تراه شارون جونز حقاً مشروعاً يمكن فهمه ببساطة. وتالياً في "حرق بعد الكتابة" لا مبرر لأي قلق.

تقترح شارون جونز أن بوسع القارئ/ة أن يخفي هذا الكتاب الذي يحوي معرفتنا الحقيقية عن أنفسنا، أو يمكن تمزيقه عند الانتهاء من كتابته أو حرقه تماماً. فالهدف من الكتاب ليس علاجياً، بل معرفي أيضاً. فهو نوع من تدريبات التطوير الذاتي للتعرف إلى الذات قد يقودنا - أو لا يقودنا - إلى خيارات أرحب في حياتنا أو علاقاتنا، قد تسهم في إيقاظ ما هو نائم من أفكارنا وتجاربنا، وربما تنير طريقنا، أو تدفع - باعتقادي - أحد القراء إلى كتابة سيرة ذاتية لامعة أو البدء بعمل روائي ينبني على ما يجمع من معرفة أتاحتها تجربة المكاشفة، قد تنطوي على مقومات الكتابة الإبداعية إن في أدب السيرة أو السرد الروائي أو حتى النصوص الشعرية وربما الفكرية. فالصدق في المكاشفة يحرر الوعي واللا وعي من قيود المحاسبة التي تجعلنا سجناء "تابوهات" الرقابة الاجتماعية والذاتية، والتي تثنينا عن الصدق بسبب الخوف من الآخر أو من عاقبة ما فعلناه سراً في لحظة زمنية فارقة من حياتنا. وهذه أمور تشبه إلى حد بعيد ما يحدث للكاتب/ة أو الشاعر/ة من إلهام يصعد من عمق لا وعيه/ا حتى عن غير إدراك منه/ا، ويشكل لحظة إبداعية في النص تتقاطع فيها مع ما هو إنساني مشترك في التجربة البشرية في مواجهة عالم معقد وجميل... وشديد القسوة.

تشارك الكاتبة شارون جونز، وهي بالأساس مصممة غرافيك من شمال بريطانيا، القراء عبر مقابلة أجرتها "مارغريتا تارتاكوفسكي" في مجلة "بسيكسنترال" التي تعنى بالصحة النفسية والتطوير الذاتي، في ما الذي ألهم عملها في هذا الكتاب، فتقول: "حدث الإلهام في كتاب (حرق بعد الكتابة) من خلال المناقشات مع ابنتي المراهقة حول الأشياء والقيم والأفكار التي نقدرها كلانا. كنت مدركة أنها كانت تشارك باستمرار في مناقشات عبر الإنترنت حول عديد من الأشياء الشخصية، والتأمل في الماضي، والخطط والأحلام، والتأمل والإبداع. وكانت تعبر عن هذه الأشياء بصراحة حسب ظنها. لكن هل كان من الممكن أن تفعل ذلك بصدق؟ لم أكن أعتقد ذلك. فقررت أن أجمع سلسلة من الأسئلة عن نفسي وحاولت الإجابة عنها بصدق. ثم أشركت عديداً من الأصدقاء لفعل الشيء نفسه. اتضح لي على الفور أن قيمنا ومعتقداتنا الحقيقية معرضة للخطر بشكل عميق عندما يتعلق الأمر بأنفسنا، لا سيما إن أفصحنا عنها بصدق على وسائل التواصل الاجتماعي، وهذا ينطبق نسبياً على كتب السيرة الذاتية عند كثير من كتاب السيرة المرموقين".

جاء مفهوم كتاب "Burn After Writing" كنتيجة مباشرة للتحدي في إنشاء تقنية تتيح للفرد المتأمل، الفرصة في محاولة الإجابة عن الأسئلة عن نفسه "بصدق" ومن دون أي ضغوط من الخارج."الحقيقة هي أصعب شيء تكتب عنه حتى لو كنت مستعداً لقول الحقيقة".

يوجد سطر في الكتاب يقول: "مهما اخترت استخدام هذا الكتاب، فكر في الحقيقة قبل أن تجيب. عندها في الأقل قد تعرف ما إذا كنت تكذب أم لا". وتعطي جونز على سبيل المثال تحديثات فيسبوك التي تصلنا على صفحتنا وتكون متاحة بطبيعة الحال للتعليق عليها إما للتأكيد أو الإعجاب/ات أو حتى مشاركتها مع آخرين. تعتقد شارون جونز أن الناس يبحثون باستمرار أو يتحققون من صحة اختياراتهم قبل النقر على أحد الخيارات. "حرق بعد الكتابة" هو عكس ذلك، تؤكد جونز. "إنه يتحدى الفرد عن قصد ألا يشارك أي شيء عن نفسه". حتى لو كان مجرد إعجاب "لايك"... أظهرت الدراسات أنه عندما تكتب باليد بدلاً من الضغط على لوحة المفاتيح فإن إجاباتك تكون أكثر تفكيراً ومراعاةً ودراسة. كم عدد الأشياء التي تتذكرها بوضوح من سنوات المراهقة مثلاً؟ أفكارك وقيمك ومعتقداتك. ربما ليس بقدر ما قد نعتقد إذا نظرنا إلى الوراء. لذا إذا أجبنا عن أسئلتنا عن أنفسنا في لحظة راهنة، يمكننا تخزين الكتاب بعيداً عن أعيننا وإعادة النظر فيه في المستقبل. ربما شيء أقرب إلى تجربة "توم كروز" حين عاش معزولاً عن العالم إلا عن نفسه، وكتب لسنوات، كثيراً كثيراً بصدق ومن غير أي ضغط خارجي. فعدم المشاركة في ما نكتب يتيح لنا ليس فقط الكتابة بصدق عن أنفسنا، بل التمتع بـ"حرية" لا تتوافر حين تقلقنا مشاركة معرفتنا عن أنفسنا.

يمكن أن تحوي الكتابة "في حرق بعد الكتابة" أشياء كثيرة مرنة، عاكسة كمرآة، خريطة طريق، محفزاً للقيام بأشياء جديدة. لكن في جميع الأحوال هو أقرب ما يكون إلى "رفيق"، فهو ليس كتاب يوميات عادي. وقد تختلف الإجابات التي تلتزمها على الورق اختلافاً كبيراً عن الإجابات التي قد تقدمها لنفسك في المستقبل، حتى بين الصباح والمساء. إذ لا مفر من أن تتغير أفكارنا وقيمنا ومعتقداتنا. لذلك لا يمكن حصر الحاضر بالماضي وبالمستقبل. فهذا الكتاب صورة فريدة عنك كما أنت الآن، وكما لن تكون مرة أخرى أبداً.

ترى شارون جونز أن الشيء الذي سيقلل الناس من شأنه حين يكتبون إجابات أسئلتهم عن أنفسهم في "حرق بعد الكتابة" هو المدة التي يستغرقها إكمال الكتاب. فربما يعتقد القارئ أن بإمكانه الانتهاء منه خلال يوم واحد بسبب عدد صفحاته الـ144، إذ تتضمن الصفحة بفراغها المخيف الفظ سؤالاً واحداً أو عدة أسئلة قصيرة أو طويلة، بسيطة أم عميقة، أو مستفزة، تتحدى القارئ بفراغها، بل تخيفه الإجابة عن بعضها، لذلك حين سُئلت شارون جونز "هل حقاً تعتقد أن الناس سيحرقون بعد الكتابة؟ فأجابت من غير تردد: نعم. إذا أجابوا بصدق فإنهم قد يفعلون".