تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

هل ستنجح ألاعيب أردوغان بخداع الاتحاد الأوروبي مرة أخرى؟

أردوغان
AvaToday caption
الصورة العامة فلا يجب ألا تضلل أحداً. لقد شهدت السنوات الخمس الماضية ظهور تشكيلة داعمة للسلطة تجمع جماعات المصالح الفاسدة وغير القانونية في كثير من الأحيان، تحت قيادة أردوغان وبهجلي، ولكن الآن، وبشكل علني، تتصارع ضد بعضهم البعض
posted onNovember 23, 2020
noتعليق

ياوز بيدر

لقد عاد الرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، مرة أخرى إلى ملاكمة صديقه القديم، الاتحاد الأوروبي يوم السبت الماضي. وقال أردوغان في خطاب له عبر الإنترنت في اجتماع محلي لحزب العدالة والتنمية الحاكم "نحن لا نرى أنفسنا في أي مكان آخر غير أوروبا. نتصور بناء مستقبلنا مع أوروبا. ونتوقع أن يفي الاتحاد الأوروبي بوعوده، وليس التمييز ضدنا أو على الأقل لا نصبح أداة لفتح العداوات التي تستهدف دولتنا".

أثارت تصريحاته هذه ردود أفعال تشوبها الحيرة. ومع ذلك، كان الكثيرون يتصرفون بشكل عقلاني، كما لو أن الرئيس التركي قد كسر نمطًا من التناسق، واتخذ منحنى آخراً بمفرده. وبالنظر إلى تصرفاته الحالية المضطربة، لم يكن أمامنا خيار سوى أن نندهش من المراقبين الذين يظهرون الدهشة.

نتحدث هنا عن نفس الشخص الذي، في نهاية أكتوبر، أثار غضب اثنين من كبار الشخصيات في الاتحاد الأوروبي، الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون والمستشارة الألمانية ميركل، بعد أن أطلق افتراءاته المعروفة.

استشاط أردوغان غضباً من تصريحات ماكرون بشأن المعركة ضد الإسلام المتطرف ومداهمة الشرطة لمسجد بسبب قضية اختلاس في برلين، ودعا إلى مقاطعة وطنية للبضائع الفرنسية. وفي خطاب ألقاه يوم 26 أكتوبر، قال "أخاطب المستشارة ميركل، هل هذه هي الحرية في وجهة نظركم؟ قرابة 100 شرطي يعتدون على مسجد! أنتم فاشيون بكل ما تحمل الكلمة من معنى! أنتم جميعًا جزء من السلسلة النازية!".

أصبحت هذه الكلمات، التي تقترب من خطاب الكراهية، جزءًا لا يتجزأ من صورة أردوغان في الغرب لبعض الوقت الآن، وبسببها أصبح يتلقّى استهجاناً قاسياً. ولكن، علاوة على ذلك، هناك عنصر آخر يشكّل كيفية ظهوره بين هذه الدوائر والطبقات المختلفة في أوروبا مؤخرًا، وهو كونه شخصية دائماً ما تشجع، بطريقة أو بأخرى، الإسلاميين على اللجوء إلى عنف غير محدود ضد المدنيين.

عزز عدم تقديم أردوغان التعازي في أعقاب حادثة قطع رأس معلم في فرنسا على يد الإسلاميين وكذلك حادثة إطلاق النار الجماعي في فيينا هذا التصور باعتباره نظيرًا سياسيًا يتميز بعدم الموثوقية وعدم توقع تصرفاته.

وبغض النظر عن كلماته المتحفظة، فإن الغضب الأخير في أوروبا فيما يتعلق بالجماعات الإسلامية المتطرفة المرتبطة ببعض المساجد، وكذلك الجماعة القومية التركية المتطرفة، الذئاب الرمادية، لا ينبغي أن يكون مفاجأة. حيث إلى جانب حليفه السياسي دولت بهجلي وأتباعه المتملقين، فإن أردوغان يجب أن يتحمل مسؤولية إلقاء اللوم على نفسه، ولا أحد غيره.

ومع ذلك، يبقى السؤال: ما هو هدف أردوغان من تحوله المفاجئ نحو الاتحاد الأوروبي واستعداده للتعاون مع خصومه الأوروبيين؟ هل هو مغيّب تماماً عن الواقع لدرجة أنه يأمل ألا يُنظر إلى هذه الخطوة الجديدة على أنها إهانة لذكاء شخصيات الاتحاد الأوروبي الكبرى التي أحبطها لفترة طويلة؟

من الجدير بالذكر أن هناك عنصرًا قديمًا وجديدًا في سباق التصرفات المضطربة هذا. يعلم أردوغان أن الاتحاد الأوروبي هو ساحة معركة داخلية تتخللها بعض الانقسامات، مما يضع أعضاء مثل المجر وبلغاريا وبولندا في تحدٍ لقيمه التأسيسية.

وهو يعلم أيضًا أنه لأسباب مالية، فإن إيطاليا وإسبانيا تترددان في اتخاذ إجراء موحد ضد تركيا. كما يعتمد أيضاً على الألعاب الدبلوماسية لميركل، التي سمحت لتركيا بكسب بعض الوقت وفرض سياستها الخارجية "الهجومية" في شرق البحر المتوسط.

وبفضل "حبه المعاد اكتشافه" للاتحاد الأوروبي، يعتقد أردوغان أن خطوات فرنسا واليونان لإلغاء الاتحاد الجمركي وفرض العقوبات على تركيا ستصطدم بجدار من النقض والانقسام. علاوة على ذلك، فهو يعتمد على حقيقة أنه طالما أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب يؤخر انتقاله، مما يحافظ على الإبقاء على فراغ قاتل في السياسة الدولية، فسيتخبط الاتحاد الأوروبي كنتيجة لذلك.

ثم هناك العنصر الجديد، الذي يربط أفعال أردوغان الماكرة باليأس والإحباط الذي يشعر به، وهي الأزمة المالية التي أظهرت نقاط ضعف أردوغان بوضوح. اضطر إلى تعيين حاكم جديد للبنك المركزي، الأمر الذي رفع الأسعار، بينما رأى صهره ووزير المالية بيرات البيرق يخرج من الحكومة في ظل ظروف مأساوية. وهذا يعني أن الخلاف داخل إدارته المتدهورة قد هبط على أعتاب عائلته والقصر ذاته.

كما اقترن هذا التطور المقلق بحلقة جديدة، شملت شخصيات مافيا مثل، علاء الدين تشاكيجي، والذي هدد علانية زعيم المعارضة الرئيسية كمال كيليجدار أوغلو.

الرسائل الصادرة عن تشاكيجي و "صديقه الحميم" بهجلي - زعيم حزب الحركة القومية المتطرف - تُظهر أيضًا مقاومة شديدة للإشارات التي أعلنها أردوغان عن عمل "إصلاح قانوني". وهذا يشير إلى الانقسامات داخل تحالف القوى، الذي يمثله أردوغان وبهجلي.

يقول الكثير أن أردوغان التزم الصمت بشأن الخلاف. ولا تترك المصادر التي تواصلنا معها مجالًا للشك في أن أردوغان معزول عن أرض الواقع، لا سيما وأنه صُدم لسماع أن الاقتصاد قد وصل إلى الحضيض.

تثير مصادرنا أيضاً قضية أخرى وعلامة استفهام كبيرة حول ما يسمى بعقيدة "الوطن الأزرق" - أي محاولة ترسيخ السيادة البحرية التركية في شرق البحر الأبيض المتوسط ​​- وما يتعلق بها من إجراءات.

إن المشاركة العسكرية النشطة لتركيا إلى جانب أذربيجان في حرب كاراباخ والتدخل الأخير في انتخابات شمال قبرص هي كلها من صنع أردوغان. ولكن يبدو أن العكس هو الصحيح، وهو أن جناح حزب الحركة القومية من هيكل السلطة والضباط السابقين الذين يدعمون الحكم يفرضون بنجاح أجندتهم القوية، والتي يجدها أردوغان تأتي في صالحه الشخصي للبقاء في السلطة.

ولكن إذا كان الأمر كذلك، فإن هذا يحوله إلى "متحدث باسم" و"رمز" للقاعدة التي بناها بمساعدة إبراهيم كالين وعمر جيليك، أقرب مساعديه وأكثرهم ثقة، وخلوصي أكار وزير الدفاع.

ليس من المستغرب أن تشير الشائعات مؤخرًا إلى أن بهجلي، الذي وضع أردوغان في الزاوية، هو "زعيم حكومة الظل" في تركيا.

أما الصورة العامة فلا يجب ألا تضلل أحداً. لقد شهدت السنوات الخمس الماضية ظهور تشكيلة داعمة للسلطة تجمع جماعات المصالح الفاسدة وغير القانونية في كثير من الأحيان، تحت قيادة أردوغان وبهجلي، ولكن الآن، وبشكل علني، تتصارع ضد بعضهم البعض.

قد تكون هذه المواجهة هي التي يشعر أردوغان بأنه غير قادر على التعامل معها. ويمكن أن يساعد هذان العنصران في تفسير عرض أردوغان للمصالحة. ومن المنطقي أن نفترض أن كالين بصفته مستشاراً لأردوغان ربما أشار لنظرائه في الاتحاد الأوروبي في زيارته لبروكسل يوم الجمعة بقوله "رئيسي في ورطة، ويحتاج إلى المساعدة، أو غير ذلك".

أما السيناريو الذي يخيف شخصيات الاتحاد الأوروبي، ليس فقط تدفق اللاجئين، ولكن أيضًا ما قد يحدث إذا لم يعد أردوغان في السلطة، واستبداله بمغامرين أكثر شدة.

وكما كرر جوزيب بوريل بشأن العلاقات التركية الأوروبية، فكيف سيؤثر تحول موقف أردوغان على موقف الاتحاد الأوروبي من القمة المقبلة في 10 ديسمبر؟ وعلى الرغم من عدم ارتياحه في الوقت الحالي بشأن بهجلي والجناح الأوروآسيوي في الداخل، فإن أردوغان يخشى من شكل الصدام مع الرئيس الأميركي المنتخب بايدن.

وهو يدرك أن مواقف الاتحاد الأوروبي، مع ذلك، ستساعده على الاقتراب من الأخير بقدر كافٍ من الجرأة الدبلوماسية. وكتب مارك بيريني، دبلوماسي محنك في الاتحاد الأوروبي مؤخرًا "تركيا حرة في رسم مسار جديد تمامًا لنفسها، لكن على قادة الاتحاد الأوروبي واجب الدفاع عن قيمهم ومصالحهم. غض الطرف أو التقليل من شأن ما تفعله القيادة التركية لدولتها وسياساتها تجاه الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي يخلق خطرًا استراتيجيًا على الحكومات الأوروبية. لم يعد التساهل خيارًا بعد الآن".

وبقدر حكمة هذه الكلمات، ستكون هذه لحظة وجودية للاتحاد الأوروبي: يجب ترك تركيا حرة في اختيار مسارها، لأنه لن يساعدها أي تهدئة على العودة إلى التطبيع مع سيادة القانون على أي حال. وإذا كان "التساهل" هو الخيار، فقد يكون تفويضًا مطلقًا لمزيد من زعزعة الاستقرار في المنطقة، لا سيما وأن تركيا لديها  طموحات هجومية.

وهناك كلمة أخيرة، لأولئك الذين قد يجادلون بأن الاتحاد الأوروبي نفسه مسؤول بشكل جزئي عن هذا المأزق. هذه الحجة لا أساس لها. لم يكن الاتحاد الأوروبي هو الذي اقترح على أردوغان سجن عشرات الآلاف من الأشخاص وتفكيك سيادة القانون وتعديل الدستور لبناء نظام استبدادي. من يكسر الإناء ملزم بإصلاحه. لذلك، يعرف أردوغان ما يجب فعله: إعادة إرساء سيادة القانون، وإعلان عفو ​​عام خالي من الشروط، واستئناف عملية السلام مع الأكراد والجلوس أخيرًا على طاولة المفاوضات مع اليونانيين.