Skip to main content

روسي وأميركي... إيران بين شرين

مفاوضات فيينا
AvaToday caption
عبداللهيان وصف الموقف بأنه "إيثار" من الحرس الثوري من أجل المصلحة العامة، وهو تطور يكشف أكثر عن وجود اختلاف في وجهات نظر الدوائر المشاركة في صياغة القرار الاستراتيجي للنظام
posted onMarch 30, 2022
nocomment

حسن فحص

في سباق الأمتار الأخيرة لمفاوضات فيينا التي تستهدف إعادة إحياء الاتفاق النووي بين إيران والسداسية الدولية، وعلى الرغم من جرعة التفاؤل التي يتمسك بها الطرفان الرئيسان، الأميركي والإيراني، بإمكان التوقيع على الصيغة الجديدة لهذا الاتفاق، وأن الأمور باتت على خواتيمها والنص جاهز على الطاولة، برزت معطيات جديدة قد تكدر هذه الأجواء وتدفع باتجاه يعرقل الخطوة النهائية.

من هذه المعطيات ما هو على علاقة مباشرة بآليات الحوار والتفاوض والشروط المتبادلة، ومنها ما يتصل بالأبعاد التي قد يتمخض عنها حراك عدد من العواصم الإقليمية، وما يمكن أن ينتج منه من معادلات جديدة قد تشكل مصدر قلق للنظام الإيراني، والمشهد الذي سينتج منها ليس فقط في الشرق الأوسط، بل في عموم منطقة غرب آسيا التي تعتبرها طهران مجالاً حيوياً وساحة لترجمة نفوذها وتمددها في إطار استراتيجية الدور الذي تطمح إليه على الساحتين الإقليمية والدولية، فعلى الرغم من تمسك سكرتير المجلس الأعلى للسياسات الاستراتيجية في النظام الإيراني ووزير الخارجية الأسبق كمال خرازي من على منصة "منتدى الدوحة الدولي للحوار"، بشرط إخراج الحرس الثوري من اللائحة السوداء الأميركية للمنظمات الإرهابية، باعتباره "مؤسسة عسكرية وطنية إيرانية"، خرج المندوب الأميركي روبرت مالي بموقف حازم من هذا المطلب ليؤكد رفض إدارته لأسباب معقدة لم يكن مجبراً على شرحها وتفسيرها، لارتباطها بموجة الاعتراض الداخلي على أي خطوة بهذا الاتجاه، وكذلك محاولة إرضاء عواصم إقليمية بالمنطقة تصنف في دائرة الحلفاء الاستراتيجيين أو الأساسيين لواشنطن، وترى الخطوة خطراً يرفع مستوى الخوف من تزايد الدور الإيراني المخرب، أو على الأقل المزعزع والمهدد لاستقرار هذه الدول والعواصم.

تطور واضح في موقف إيران

موقف المندوب الأميركي من المسألة الإيرانية ترجمه كلام وزير خارجية طهران حسين أمير عبداللهيان الذي كشف عن تطور واضح في الموقف الإيراني وإمكان الذهاب إلى تنازلات حقيقية، وقد تكون مؤلمة يقدمها النظام ومؤسسته العسكرية بهدف تسريع الانتهاء من التفاوض والانتقال إلى التوقيع الممهد للخروج من دائرة العقوبات، وذلك من خلال حديثه عن ليونة أبدتها قيادة الحرس الثوري التي أبلغته دعمها لجهود الفريق المفاوض في فيينا للوصول إلى التوقيع، حتى ولو كان على حساب الإبقاء على هذه المؤسسة تحت العقوبات.

عبداللهيان وصف الموقف بأنه "إيثار" من الحرس الثوري من أجل المصلحة العامة، وهو تطور يكشف أكثر عن وجود اختلاف في وجهات نظر الدوائر المشاركة في صياغة القرار الاستراتيجي للنظام، أو على الأقل يكشف عن وجود تقاسم في الأدوار بين هذه الدوائر، ما لم يكن الأمر يعبر عن استبعادها من مجريات المفاوضات وما وصلت إليه الأمور.

عقدة تلوح في الأفق

وإذا ما استطاع النظام الإيراني وفريقه التفاوضي تجاوز عقدة العقوبات على مؤسسة الحرس الثوري في مقابل الحصول على ضمانات حول آليات إلغاء العقوبات والالتزام الأميركي بالتنفيذ مستقبلاً وعدم الانسحاب، فإن مشكلة بدأت تلوح في الأفق، لا تعتبر واشنطن مصدراً أو سبباً لها، تهب رياحها خلال هذه المرحلة من الحليف الروسي الاستراتيجي، كشف عنها المنسق الأعلى للسياسات الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل خلال خطابه الأخير أمام الاتحاد، عندما تحدث عن طلب روسي بعدم إلغاء العقوبات على قطاع النفط الإيراني في الاتفاق المزمع توقعيه.

المفاجأة التي كشف عنها بوريل تأتي بعد تفكيك طهران نسبياً للغم الذي زرعه وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف في اللحظة الحرجة عندما طالب بضمانات أميركية مكتوبة باستثناء العلاقات التجارية والاقتصادية مع إيران من العقوبات الغربية التي فرضت على بلاده نتيجة الحرب ضد أوكرانيا، وهو الأمر الذي يضع مصير التوقيع على الاتفاق في دائرة التشكيك أو المراوحة، ويعيد في الوقت نفسه طرح سؤال جوهري حول طبيعة موقف موسكو من المفاوضات، ومدى التزامها بالوقوف إلى جانب طهران في جهودها لإعادة إحياء الاتفاق والخروج من دائرة العقوبات الأميركية والدولية.

الموقف الروسي الجديد أعاد إلى الواجهة من جديد ما كشفه وزير الخارجية الإيرانية السابق محمد جواد ظريف عبر تسريب صوتي، عن محاولات لافروف عام 2015 في الأيام الأخيرة قبيل التوقيع على الاتفاق مع السداسية الدولية لعرقلة التوقيع وتأخير الاتفاق من أجل إبقاء إيران رهينة الابتزاز الروسي ومنعها من إعادة إحياء علاقاتها مع الدول الغربية والعودة للأسواق العالمية على جميع المستويات، بخاصة في مجال قطاع الطاقة، فضلاً عن محاولة ابتزاز إيران في مناطق نفوذها، وتحديداً على الساحة السورية، من أجل تثبت أقدامها في الشرق الأوسط.

ولم تتأخر موسكو في ترجمة هذه المساعي عندما قررت دخول الأزمة السورية، وقدمت طلباً لاستضافة قائد فيلق القدس قاسم سليماني، المسؤول عن المعركة في سوريا، والذي تبلّغ من الرئيس فلاديمير بوتين مباشرة قرار الدخول الروسي في اللحظة التي لم تكن الأوضاع الميدانية للمحور الإيراني في سوريا بحاجة إلى هذا التدخل وبالحجم الذي حصل فيه.

إيران والحرب في أوكرانيا

المؤشرات الأولية التي تتحدث عن إمكان حصول اتفاق بين روسيا وأوكرانيا على إنهاء الحرب قد تزيد المخاوف الإيرانية من احتمال تفعيل موسكو لجهود عرقلة الاتفاق المرتقب واستخدامه ورقة لابتزاز العواصم الغربية في المفاوضات حول العقوبات التي فرضتها على روسيا، الأمر الذي قد يدفع أميركا إلى ممارسة مزيد من الضغط على طهران، ودفعها لحسم موقفها والتخلي عن بعض شروطها، بعيداً من مخاوف واشنطن من انهيار المفاوضات وما ينتج منه من تأخير قدرتها على تفكيك أو تعطيل المسار التصاعدي في البرنامج النووي الذي التزمت بتعطيله، والعودة لمراقبته الدقيقة ومنع إيران من الحصول على السلاح النووي أمام حلفائها في الشرق الأوسط كمدخل لطمأنتهم.

الحاجة الإيرانية للاتفاق، وما يعنيه من تخفيف التوتر مع واشنطن في هذه المرحلة الحساسة، تتزايد في ظل ما تشهده المنطقة من حراك سياسي واقتصادي وأمني محوره إسرائيل وبعض العواصم العربية، ترجمته سلسلة لقاءات بدأت مع قمة شرم الشيخ بين ولي عهد أبوظبي والرئيس المصري ورئيس الوزراء الإسرائيلي، ثم قمة النقب لوزراء خارجية أمريكا وإسرائيل والإمارات والمغرب والبحرين ومصر، التي اعتبرتها طهران تمهيداً لمشروع تشكيل "ناتو عربي - إسرائيلي" لمواجهتها والتصدي للنتائج المحتملة من إعادة إحياء الاتفاق النووي والتفاهم مع واشنطن، وهو الأمر الذي دفعها للتصعيد من تهديدها على لسان قيادة الحرس الثوري واستعداده لتدمير عواصم هذه الدول حال فكرت في تغيير المعادلات الإقليمية على حساب المصالح الإيرانية.