بازبدە بۆ ناوەڕۆکی سەرەکی

المناورة الإيرانية على حافة الهاوية

أحدى السفن المستهدفة في ميناء الفجيرة
AvaToday caption
فإن النظام الإيراني وهو يراقب الاستعدادات الأميركية العسكرية، يجد نفسه مكشوفا بسبب ندرة الأصدقاء والحلفاء، بل يدرك أن روسيا والصين تتربصان في محاولة لنيل بعض المكاسب من واشنطن وهي المكاسب التي تلوّح بها واشنطن لهما
posted onMay 14, 2019
noبۆچوون

علي الأمين

أظهرت عمليات التخريب في ميناء الفجيرة النموذج الذي يمكن أن تقوم به إيران للرد على العقوبات الأميركية التي تضيّق الخناق على الاقتصاد الإيراني. لم تعلن إيران مسؤوليتها عن العملية التي طالت أربع سفن تجارية في المرفأ، الذي يعتبر من أكبر المرافئ المعدة للتزود بالوقود في العالم.

برس تي.في” كانت المحطة الأولى التي أعلنت عبر شاشتها الإيرانية الناطقة باللغة الإنكليزية عن انفجارات طالت سبع سفن وليس أربع كما جاء في بيان وزارة الخارجية الإماراتية، ورئيس لجنة الأمن القومي الإيراني كان أول المعلقين على العملية التخريبية، واستنتج من خلالها “أن أمن الخليج هشّ”.

هذه العملية التي لم تكن أضرارها المادية كبيرة ولم تؤد إلى سقوط أي ضحايا، تشير إلى الأدوات التي ستعتمدها طهران في المواجهة التي لا تريدها مواجهة عسكرية مباشرة مع واشنطن، وبالتالي فهي ستعمد إلى القيام بأعمال عسكرية وأمنية تحول دون اتهامها مباشرة من قبل خصومها وأعدائها بالوقوف وراءها، فهي سياسة تهدف من خلالها إيران إلى رفع كلفة المواجهة معها، عبر إظهار أن الخليج العربي الذي تطل عليه وحتى مناطق نفوذها الإقليمي، هي مناطق غير آمنة لواشنطن وحلفها الإقليمي في المنطقة.

جاءت العملية بعد ساعات من ظهور قائد فيلق القدس قاسم سليماني في العراق، من خلال صورة جرى تناقلها عبر وسائل التواصل الاجتماعي، وهي الزيارة الأولى المعلنة بعد أكثر من شهرين على زيارة الرئيس حسن روحاني إلى العراق، وبعد أقل من أسبوع على الزيارة التحذيرية للعراق التي قام بها وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو إلى بغداد، والتي أكد خلالها للمسؤولين العراقيين استعداد واشنطن لدعم العراق، طالما لم يتورط في السماح لإيران بخرق الحصار، وباستخدام أراضيه والميليشيات العراقية المؤيدة لإيران من أجل توجيه رسائل أمنية وعسكرية ضد المصالح الأميركية في بلاد الرافدين.

 وترافقت الزيارة مع معلومات تم تداولها لدى أوساط عراقية في السلطة وتناقلتها بعض وسائل الإعلام، مفادها أن رسالة أميركية واضحة تلقتها السلطة العراقية لنقلها إلى إيران، تقول إن "أي اعتداء تقوم به جهات محسوبة على إيران ضد مصالح واشنطن سيكون الرد الأميركي في إيران مباشرة".

ولكن هذه الرسالة تلاها موقف منسوب للرئيس الأميركي دونالد ترامب ونقلته محطة “سي.أن.أن” بأن واشنطن أودعت رقم هاتف البيت الأبيض لدى سويسرا وهي تنتظر اتصالا من الرئيس الإيراني حسن روحاني.

المواقف الإيرانية كما هو متوقع تلقفت هذه الرسالة لتزيد من استعراض القوة، عبر مواقف صدرت عن قيادات في الحرس الثوري ترفض الحوار، وروجت لهذه الرسالة الأميركية، كمؤشر على أن موقف إيران قوي، وهي التي يتقدم ترامب ليخطب ودها فيما هي تتمنع، ولو كانت راغبة في تتويج هذا الودّ بتفاهم يضمن لها المكاسب على الصعيد الإقليمي.

وقامت إيران حسب ما ورد في تقارير أميركية إعلامية، بتزويد زوارق بحرية وفرقاطات إيرانية بصواريخ باليستية، مع دخول البوارج الأميركية الخليج العربي والبحر المتوسط، كل ذلك كان مترافقا مع مواقف أميركية معلنة تقول إنها لا تريد المواجهة العسكرية مع إيران، ومواقف إيرانية مقابلة تتفادى أي تهديد بالحرب ضد واشنطن، وتنفي وجود أية نية لدى طهران بإغلاق مضيق هرمز.

يعرف قادة إيران أنه لا يمكن الركون إلى تطمينات ترامب بشأن الحوار ورفضه للقتال، فالبوارج الأميركية والقواعد البرية المنتشرة كالفطر حول إيران من دول الخليج والعراق وأفغانستان وباكستان وأذربيجان وغيرها، تقول كلاما آخر لا يدفع طهران إلى الاطمئنان، كما أن الشروط الأميركية المطروحة على طهران لوقف الحصار، هي شروط استسلام في الحسابات الأيديولوجية التي تحكم السلطة في هذا البلد.

وفي المقابل فإن النظام الإيراني وهو يراقب الاستعدادات الأميركية العسكرية، يجد نفسه مكشوفا بسبب ندرة الأصدقاء والحلفاء، بل يدرك أن روسيا والصين تتربصان في محاولة لنيل بعض المكاسب من واشنطن وهي المكاسب التي تلوّح بها واشنطن لهما، علما أنها مما تحوزه إيران على مستوى المنطقة، فسوريا هي هدية لروسيا مشروطة بإبعاد إيران، والصين مرشحة لتلعب دورا استثماريا على امتداد المنطقة مع تراجع الدور الإيراني.

القيادة الإيرانية التي لا تتقن إلا أسلوب المواجهة مع الدول العربية، والعاجزة عن تقديم مشاريع تتجاوز مشاريع الاقتتال وتقسيم المجتمعات المحيطة بها، لن تستطيع التفاعل مع التحديات التي تفرضها واشنطن على دورها الإقليمي واقتصادها الوطني إلا بالمزيد من محاولة التخفي والهروب من المواجهة، علما أن هامش المناورة يضيق فيما واشنطن تحيك عملية الحصار والعقوبات التجارية على إيران، بجعل كل الدول المحيطة بإيران وعلى المستوى الدولي معنية بهذه المواجهة أو بنتائجها ودائما العين على الكعكة الإيرانية.

وتراهن واشنطن في معركة تطويع إيران، على ما اعتمدته سابقا تجاه العراق وأفغانستان، فعندما خاضت واشنطن حربها ضد هذين البلدين، كانت وفرت إلى حدّ بعيد البيئة الحاضنة العربية والدولية لإسقاط نظام البعث في العراق ونظام طالبان في أفغانستان، ومهما قيل عن المواقف المؤيدة لإسقاط النظامين عامي 2002 و2003، فإن الثابت أن إيران اليوم في ظل السياسات التي نفذتها في محيطها ولاسيما على المستوى العربي، وصلت إلى أن أكثر من 80 في المئة من المواطنين العرب يحمّلون طهران مسؤولية أساسية تجاه ما طال الدول العربية في المشرق العربي واليمن والخليج، وهذا واقع لم يصل إليه لا النظام العراقي ولا الأفغاني، وهي نقطة ضعف إيران اليوم ونقطة قوة واشنطن.

حادثة الفجيرة تؤكد أن سياسة حافة الهاوية الإيرانية تستنفد أوراقها، ومهما بلغت المفاجآت الإيرانية مداها فهي باتت مكشوفة إلى حدّ بعيد، وخيارات التخريب سيف ذو حدين، خصوصا أن الدول التي يمكن لإيران أن تتحرك من خلالها بسهولة من خلال أذرعها، هي دول باتت عاجزة عن احتمال تبعات السياسة الإيرانية، إلا إذا كان الانتحار الإيراني هو الخيار المتاح، وهذا خيار كشفت الوقائع أنه ليس إلا وسيلة تهويل طالما نجحت إيران في استخدامه على الهامش في لبنان، حين كانت بمأمن من تداعياته بل في موقع المستثمر لكوارث الآخرين، هذا لم يعد متاحا اليوم طالما أن العالم سيغطي أيّ رد عسكري أميركي أو إسرائيلي في قلب طهران.

ورغم كل ما يقال عن انسحاب الحوثيين من موانئ الحديدة، إلا أنه يكشف أن القيادة الإيرانية مستعدة لأن تقدم الهدايا لترامب في محاولة لاسترضائه وسط ضجيج الاستعراض الصوتي الإيراني على امتداد المنطقة العربية.

كاتب لبناني