Skip to main content

دوغلاس ستيوارت يسرد التشرذم العائلي

دوغلاس ستيوارت
AvaToday caption
استلهم المؤلف حكاية "شوجي" المبسطة، وضفرها بذكريات سنواته الأولى التي قضاها صبياً في اسكتلندا في ثمانينيات القرن الماضي، مهدياً روايته إلى أمه الحقيقية التي رحلت مبكراً بسبب إدمانها الكحول، ليكون العمل مزيجاً من المتخيل الدرامي
posted onApril 25, 2021
nocomment

في روايته "شوجي بين"، الفائزة بجائزة المان بوكر البريطانية لعام 2020، وصدرت باللغة العربية حديثاً عن دار "صفصافة" في القاهرة بترجمة ميسرة صلاح الدين، يخوض الكاتب الاسكتلندي الأميركي دوغلاس ستيوارت معركة مزدوجة، فينتصر؛ على الصعيد الفني؛ للمعمار الروائي التأسيسي الرصين في مقابل انزياحات تجريبية وصيغ تعبيرية معاصرة لم يلتفت إليها. كما ينحاز؛ على المستوى الاجتماعي، للعمال والفقراء والطبقات المقهورة المهمشة في مواجهة الأثرياء والبرجوازيين وأصحاب النفوذ والإنتاج والسيطرة، الذين لم تسند إليهم أدوار رئيسة.

تغرق الرواية الضخمة (660 صفحة) في خضم التفاصيل الثرية والاستقصاءات المتعمقة لملامح الحياة ووجوه البشر ودروب الواقع المعيش في منطقة غلاسكو والضواحي الاسكتلندية البائسة في الفترة ما بين 1981 و1992، حيث تعم البطالة والأزمات الاقتصادية ويسود القهر والكساد، وتتدنى أجور الأعمال الشاقة كما في مناجم الفحم، إلى حد مهين للرجال والنساء، وينخرط الأطفال أيضاً في سوق العمل مجبرين لكسب قوت يومهم.

وتقود جملة الأوضاع السيئة القاسية إلى انحرافات سلوكية وأخلاقية من قبيل الإفراط في السكر والتدخين والإدمان والعربدة ولعب القمار وما إلى ذلك. كما قد تلجأ النساء إلى بيع أجسادهن وربما أرواحهن بثمن بخس "توجد حانات قديمة يجلس فيها الرجال والنساء العجائز للحصول على بعض المتعة. كانت النساء النحيلات ذوات الوجوه العصبية يبعن أنفسهن لرجال يركبن سيارات فاخرة، وأحياناً يجد رجال الشرطة قطعاً من أجساد هؤلاء النساء مفصولة وملقاة في أكياس سوداء".

ومن فخ إلى فخ، ومن متاهة إلى أخرى، يمضي الفرد الضعيف المترنح في المجتمع الطبقي، الذي يعج بالتفرقة والتمييز، وتعلو فيه أصوات الضغينة والحقد والصراعات الحادة، ليس فقط بين الفئات الدنيا والعليا، وإنما بين البروتستانت المحتجين والكاثوليك كذلك، وبين الذكورة والأنوثة في مسالك الانتهازية والتقاتل والخداع. تفتش المرأة الجائعة الشريدة عن زوج أو رفيق يتكفل بها ويعفها عن السؤال، فيما يسعى الرجل المتنطع إلى امرأة عاملة يقتات بخسة على عرقها: "سوق العمل هذه الأيام يدفع المرأة للعمل من أجل الإنفاق على الرجل الذي يعيش معها، فكل الرجال صاروا يتعفنون على الأرائك في المنزل، ولا يجدون عملاً". هذا الضياع الفردي المحتوم هو نواة للتشرذم العائلي (هرب الزوج من المسؤولية أو خيانته أو انسحاقه في حياة الليل، فساد الزوجة أو توجهها إلى الإدمان أو محاولتها الانتحار، تشتت الأبناء واغترابهم...)، ما يصل بالمجتمع بأسره في نهاية المطاف إلى أقصى درجات التفسخ و الانهيار.

تبدو الرواية الأولى للكاتب دوغلاس ستيوارت (45 عاماً)، المقيم في نيويورك، محصلة اشتغالية محبوكة لأبنية متراصة ومجموعة من العلاقات المتشابكة والمعادلات المحسوبة بعناية. فهي في أفقها القريب تصور حياة "شوجي بين"، الذي كان طفلاً في الخامسة من عمره عام 1981، وصار مراهقاً عام 1992، وخلال تلك الفترة العصيبة من حياته، تعرض الابن الأصغر "شوجي" مع أخيه الأوسط "ليك" وأخته الكبرى "كاثرين" لسلسلة من المتاعب والإخفاقات والخسارات.

الرواية

جاء ذلك، جراء غياب الأب "شوج" (سائق الأجرة) وانغماسه في ملذاته النسائية، وسقوط الأم "أغنيس" في براثن الوحدة والاغتراب واليأس والمغامرات العاطفية الفاشلة وإدمان الكحوليات ومحاولة الانتحار، ما أدى إلى موتها في النهاية بفعل الكحول لصق ابنها "شوجي"، الذي لم يتخل عنها على مدار الأيام الصعبة السوداء. وقد حاول إنقاذها بشتى الطرق، بالتوازي مع محاولته إنقاذ ذاته من الحرمان، الذي قد يعني القتل حقيقة لا مجازاً، إذا تقاعس عن تدبير احتياجاته المادية: "عندما تأخر شوجي عن دفع إيجار غرفته التي يسكنها، طرقت بابه صاحبة المنزل بعنف، بصحبة سيدة أخرى مدججة بالسلاح".

استلهم المؤلف حكاية "شوجي" المبسطة، وضفرها بذكريات سنواته الأولى التي قضاها صبياً في اسكتلندا في ثمانينيات القرن الماضي، مهدياً روايته إلى أمه الحقيقية التي رحلت مبكراً بسبب إدمانها الكحول، ليكون العمل مزيجاً من المتخيل الدرامي، وظلال السيرة الذاتية المعالجة فنياً بشكل كبير. ومن شوجي إلى أسرته الصغيرة، ومن الأسرة الصغيرة إلى المجتمع ككل، نفذ الكاتب بسلاسة وعفوية، مقدماً قراءة موسعة لخرائط الألم والعنف والقهر والفقر وانعدام الوزن وإيذاء الذات للنسبة الأعم من الشعب في هذه المرحلة الموحشة.

اتسم المعمار الفني للرواية بالجدية والانضباط والهندسة القياسية المعيارية، ويمكن القول إنه في ما عدا خلخلة منحنى الزمن ببدء الأحداث في عام 1992 ثم ارتدادها إلى عام 1981، واختتامها مرة أخرى بعام 1992، فإن كافة مقومات العمل وعناصره ومفرداته تندرج تحت مظلة الرواية المألوفة بقوالبها الاعتيادية الدارجة. فهناك راو عليم يحكي وحده عن الشخصيات جميعاً من خارج الحدث، وهناك وقائع يقينية غير قابلة للتفسيرات النسبية ووجهات النظر المتباينة، وهناك شخوص واضحون يحيون ويتنافسون ويتصارعون في أمكنة محددة مسماة بعينها. وهناك عقدة تتصاعد نحوها الأحداث (موت الأم بين يدي ابنها)، إلى آخر هذه التوليفة التي أراد بها المؤلف أن تكون روايته امتداداً للروايات الكلاسيكية "أمهات السرد" بسمتها الوقور.

جاء رهان رواية "شوجي بين" الأساسي على قيمة التفاصيل الكثيرة والجزئيات الدقيقة في حد ذاتها، فاللغة السينمائية لا تمر على المشاهد مرور الكرام، وإنما تتمعن وتتعمق في المواقف واللقطات وتحليلاتها الظاهرة المرئية، والداخلية الغائرة في الطبقات الإنسانية الدفينة، لتتحول الصور المنقولة إلى ثورة لا تترك كبيرة ولا صغيرة في الحياة من دون أن ترصدها وتسبر أغوارها وتكشف خباياها وما وراء سطحها من جوهر.

من ثم، فإن من حصص الرواية، ودروسها الكثيرة، ما ينتمي إلى علوم الديموغرافيا والطوبوغرافيا والتاريخ والاجتماع وعلم النفس والاقتصاد في آن. فهي ليست رواية تنقل حياة أسرة صغيرة في حقيقة الأمر، وإنما هي دائرة ضوء موسعة مكثفة تسهب في تشريح النسيج المجتمعي في ذلك التوقيت، وينطوي هذا الإسهاب على كل ما يريد المرء أن يعرفه عن سمات البشر والزمان والمكان.

عرض كتاب "صمت الفتيات" لبات باركر: عمل أدبي ذو نزعة تحريفية مثير للإعجاب يستحق بلوغ القائمة الطويلة لجائزة "مان بوكر"

ومن ذلك، على سبيل المثال، اليوميات الكاملة لعمال المناجم الفقراء، وكيف يعملون، وماذا يأكلون، وماذا يكتسبون، وما حظوظهم في الإعانات الاجتماعية الزهيدة، وفي أي منازل يقيمون، وكيف تختلط رائحة عرقهم وأدخنتهم وخمورهم الرديئة وقاذوراتهم في دورات المياه المشتركة، وعلى أي إيقاع تطلق قلوبهم الوجلة موسيقاها التي لا تخلو من أمل وكراهية وعشق ورغبة وتمرد وخيانة وانتقام وتحد ومشاعر متناقضة مختلطة؟

ولا تهمل رواية دوغلاس ستيوارت الفلسفة كذلك بطبيعة الحال، فالعابر واليومي ليس نهاية المطاف، وإنما يحمل في طياته شحنات ذات دلالات وإحالات وترميزات خاصة. فالمراهق "شوجي" مثلاً في أثناء عمله بأحد المطاعم وانهماكه في شي الدجاج وطهوه وإنضاجه على النار، يصب مدفع تخيلاته على البرجوازيين، متمنياً أن يحلوا محل الدجاجات المتشابهة الآتية من بطاريات المزارع. كما أنه يقارن متحسراً بين مصير هذه الدجاجات، والمصائر المشابهة لأمثاله من المقهورين المذبوحين تحت وطأة ظروف فوقية، تجعل الاختلاف بين إنسان مطحون وآخر أمراً مستحيلاً. وفي مثل هذه الومضات والخلجات الكاشفة سر نجاح الرواية في استلاب حواس المتلقي وإدهاشه وتعزيز مداركه وتشذيب انفعالاته.