تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

إقالات واستقالات وسقوط حر لليرة التركية

إردوغان
AvaToday caption
لا تُعرف بالتحديد الأهداف التي يريدها إردوغان من السياسة التي يمضي بها. وبينما تراها أوساطه "إيجابية وستعود بالفائدة مستقبلا"، يجادل آخرون من المعارضة بأنها "تقود عملة البلاد إلى مزيد من الانهيار"
posted onDecember 3, 2021
noتعليق

استقال قبل أيام وزير المالية التركي، لطفي إلفان في خطوة كانت متوقعة، إذ أضحت استقالات المسؤولين الماليين إلى حدث شبه اعتيادي منذ نوفمبر عام 2020.

وإلفان كان قد عينه الرئيس التركي، رجب طيب إردوغان في منصب وزير المالية في نوفمبر العام الماضي، خلفا لصهره، بيرات ألبيرق، الذي قدم استقالته بصورة مفاجئة عبر حسابه الشخصي في موقع التواصل "إنستغرام".

وقبل ألبيرق، أقال إردوغان مراد أويصال محافظ البنك المركزي، في السابع من نوفمبر عام 2020، ثم إقال محافظ البنك المركزي، ناجي أغبال، الذي خلف أويصال، في 20 من مارس 2021.

ويرى اقتصاديون أن "الإقالات والاستقالات" تعطي مؤشرا على عدم استقلالية السياسة النقدية لتركيا، وهو الأمر الذي قد ينعكس بالسلب على قطاع الاستثمار، ويعمّق أزمة العملة، التي باتت منذ شهرين الحديث اليومي داخليا وخارجيا.

في المقابل ترى أوساط مقربة من إردوغان والحزب الحاكم الذي يرأسه (العدالة والتنمية) أن ما يقوم به "لا يأتي عن عبث"، بل سيؤسس لنظرية اقتصادية "ستنفرد بها تركيا مستقبلا، في إطار التحول من الدولة الناشئة إلى الدولة المتقدمة".

ويبلغ سعر صرف الليرة التركية في الوقت الحالي أكثر من 13.4 مقابل الدولار الأميركي الواحد. في حين ارتفع معدّل التضخم السنوي أكثر من 20 في المئة في نوفمبر، وفق بيانات رسمية نشرها "معهد الإحصاء التركي"، الجمعة

وارتفعت أسعار المواد الاستهلاكية بنسبة 21.31 في المئة مقارنة بالفترة ذاتها من نوفمبر العام الماضي حين بلغت النسبة 19.89 في المئة في أكتوبر، وفق "معهد الإحصاء". 

وفي الوقت الذي يؤكد فيه إردوغان مرارا وتكرارا أنه سيواصل سياسته في خفض أسعار الفائدة على الرغم من معدلات التضخم المرتفعة، يقول باحثون في الاقتصاد إن ما يحصل "يتجاوز النظريات الاقتصادية لأول مرة"، وإن من الصعب التنبؤ بما سيحدث في المرحلة المقبلة، "هذا الأمر مستحيل". 

خلفا للطفي إلفان الذي عرف بمعارضته لسياسة خفض سعر الفائدة، عيّن إردوغان بمرسوم رئاسي نائبه نور الدين نباتي في منصب وزير المالية

عُرف نباتي القادم من خلفية سياسية بتأييده لسياسة إردوغان القائمة على خفض الفائدة من أجل كسب نسب نمو اقتصادي أكبر في البلاد. وفي تغريدة عبر حسابه في "تويتر" قال نباتي، الخميس، إن أولويته ستركّز على "الاستثمار والتوظيف وليست الفائدة".

وأعاد نشر تغريدة لإردوغان ذكر فيها أن صادرات تركيا زادت في شهر نوفمبر بنسبة 33.44 بالمئة مقارنة بنفس الشهر من العام السابق، لتبلغ قيمة الصادرات السنوية 221 مليار دولار

وبذلك يكون المسار الاقتصادي من جهة، والنقدي من جهة أخرى، في تركيا قد بدأ السير في نظرية إردوغان بشكل كامل، لا سيما أن محافظ البنك المركزي، شهاب قافجي أوغلو يتخذ أيضا موقفا مؤيدا لسياسة خفض سعر الفائدة.

ويرى الدكتور في الاقتصاد، مسلم طالاس، أن المشكلة الأساسية التي تعاني منها الليرة التركية "هي المنطق السياسي، وحسابات صندوق الانتخابات الذي يطغى على المنطق الاقتصادي".

ويتابع طالاس في حديث مع قناة الحرة الأميركية "أي أن مشكلة الليرة لا تتعلق بوزير أو موظف كبير".

ويريد الرئيس التركي تحقيق نمو سريع في الفترة القصيرة، "من أجل كسب أصوات الناخبين، من خلال السياسة النقدية التوسعية"، بحسب طالاس

من جهته يتحدث أستاذ الإدارة المالية في جامعة "باشاك شهير"، الدكتور فراس شعبو عن "آثار سلبية كبيرة تفرضها الاستقالات والإقالات في المشهد الاقتصادي لتركيا". 

يقول شعبو "الاستقالات مؤشر سلبي لا يعكس سوى عدم توافق وجهات النظر بين صناع السياسة الاقتصادية في الحكومة التركية، ويعكس أيضا تدخلا صارخا في السياسة النقدية التي يجب أن تكون حرة".

ويضيف الباحث الاقتصادي المقيم في إسطنبول: "هذه التغييرات ستؤدي إلى عدم استقرار وغياب الثقة من الأسواق التركية، كما ستحدث حالة بلبلة بين المستثمرين". 

حتى الآن، لا تُعرف بالتحديد الأهداف التي يريدها إردوغان من السياسة التي يمضي بها. وبينما تراها أوساطه "إيجابية وستعود بالفائدة مستقبلا"، يجادل آخرون من المعارضة بأنها "تقود عملة البلاد إلى مزيد من الانهيار".

وفي تصريحات له الخميس، قال محافظ البنك المركزي التركي شهاب قافجي أوغلو إن "آثار السياسة النقدية الحالية ستظهر في النصف الأول من 2022".

وأضاف أن "قابلية الشركات التركية للاستثمار وتطلعاتها للتوظيف بلغت مستوى مرتفعا للغاية مقارنة بالسنوات السابقة".

وتواصل أحزاب المعارضة، من جهتها، حملاتها ضد السياسة التي تسير بها الحكومة التركية

وصباح الجمعة اتهم زعيم "حزب الشعب الجمهوري"، كمال كلشدار أوغلو معهد الإحصاء التركي بالتلاعب بالأرقام المتعلقة بالتضخم في البلاد.

وقال كلشدار أوغلو لحشد من الصحفيين قبل دخوله المكتب الرئيسي للمعهد في العاصمة أنقرة: "جئنا إلى هنا اليوم للحصول على بيانات صحيحة".

ويوضح أستاذ الإدارة المالية في جامعة "باشاك شهير"، الدكتور فراس شعبو أن "تركيا جزء من النظام الرأسمالي العالمي، والخروج عن نطاق ذلك ليس بالأمر السهل"، في إشارة منه إلى النظرية التي يحاول إردوغان تطبيقها

ويقول الباحث الاقتصادي: "هناك كتلة رؤوس أموال هائلة في تركيا تتعامل في موضوع الفائدة، والتي تعتبر العمود الفقري للنظام الرأسمالي. الحكومة في تركيا تضرب هذه النظم التي تقوم عليها البلاد منذ عشرات السنوات".

ويستبعد شعبو أن تنجح هذه النظرية بحسب تحليله، لأن تركيا تعيش في حالة تضخم وليس في حالة كساد.

لكن ومع ذلك يشير إلى أن الحكومة التركية لا تتخذ قراراتها الآن عن عبث، "فقد تكون لديهم خطط احتياطية"، مبديا تخوفه كاقتصادي من أن تنعكس سياسة خفض الفائدة على "الاستثمارات الجبانة مثل شراء العقارات والعملات والذهب، وليس الاستثمارات طويلة الأجل التي تحتاجها البلاد". 

تشير المعطيات وتصريحات إردوغان والأوساط المقربة منه أنه لا تراجع بشأن السياسة الحالية القائمة على خفض سعر الفائدة.

وخلال الشهرين الماضيين خرج إردوغان في كثير من الإطلالات الإعلامية، مؤكدا أنه سيواصل معركته، التي يعتبرها جزءا من "حرب الاستقلال الاقتصادي". 

وأضاف في الأول من ديسمبر الحالي في كلمة أمام نواب حزبه الحاكم في البرلمان: "الذي نفعله هو الصواب. لقد وضعنا ونضع خطة محفوفة بالمخاطر سياسيا لكنها صائبة".

وكان البنك المركزي خفض أسعار الفائدة بمقدار 400 نقطة أساس في الأشهر الثلاثة الماضية، على الرغم من اقتراب التضخم في البلاد من نسبة 20 في المئة.

بينما أعلن تدخله على مرحلتين منذ مطلع الأسبوع الحالي، من أجل وقف هبوط سعر صرف الليرة في سوق العملات

المحلل السياسي ورجل الأعمال التركي، يوسف كاتب أوغلو، يقول إن البلاد "تمر في مسار اقتصادي صعب، وإن الآلية التي تتبعها الحكومة وإردوغان هي الاقتصاد الإنتاجي".

ويضيف كاتب أوغلو في تصريح صحفي"هذه الآلية أشبه بمحاربة ما يسمى الاقتصاد المالي أو لوبي الفوائد الذي دأبت عليه الحكومة في السنوات الماضية".

وفي الوقت الحالي يوجد "صدام حقيقي بين توجهين أو رأيين"، بحسب المحلل التركي

الرأي الأول يمثله إردوغان وهو تخفيض الفائدة البنكية لتكون تقريبا أقل من 5 في المئة، إضافة إلى توجيه رؤوس الأموال الاستثمارية إلى اقتصاد إنتاجي تدخل فيه استثمارات حقيقة على أرض الواقع.

أما الرأي الآخر، ووفق كاتب أوغلو، هو المتعلق بـ"كتلة لوبي الفوائد التي يريد جني المال. وبالتالي فإن الفوائد العالية ضرورة لها".

وتتلخص وجهة نظر إردوغان في أن رفع سعر الفائدة أحد أسباب ارتفاع معدل التضخم في البلاد، كما يُعد سعر الفائدة عائقا أمام المستثمرين، لأن سعر الفائدة المرتفع، يزيد تكاليف الإنتاج

ويرى أن وصول سعر الفائدة إلى 24 بالمئة أو 19 بالمئة يدفع الأفراد والمؤسسات إلى أن يضعوا أموالهم في البنوك، ويغلقوا الشركات والمؤسسات، مكتفين بما يأتيهم من فوائد على أموالهم.

ويشير المحلل السياسي التركي إلى أن "إصرار إردوغان على خفض الفائدة هو الوسيلة لكي تلحق تركيا بركب الدول العظمى. صحيح أنه اختار الطريق الصعب والمحاط بالألغام إلا أنه سيصل إلى نقطة الاقتصاد الإنتاجي الذي تسعى سياسته إليه".

وفي ما يتعلق بوزير المالية الجديد، يتابع كاتب أوغلو: "أعرفه عن قرب، وسبب اختياره يعود إلى أنه أفضل من سلفه، كونه يتماشى مع رؤية إردوغان في زيادة الاستثمارات وخفض الفائدة".

"ويرى نباتي أن يجب التركيز على الاقتصاد الإنتاجي وعدم الاعتماد على رأس المال الساخن، لأنه عبارة عن مهدئات لا تعالج الاقتصاد بشكل حقيقي"، بحسب المحلل التركي