تجاوز إلى المحتوى الرئيسي

صلاحيات الرئيس الإيراني ونخبة صنع القرار في السياسة الخارجية

نساء إيران
AvaToday caption
تطور دور الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) إلى ما هو أبعد من دوره الأصلي كحارس أيديولوجي للنظام الثوري الوليد، فحضوره قوي في النظام السياسي الإيراني الفصائلي، وبشكل عام يؤيد التيار المتشدد
posted onJune 7, 2021
noتعليق

هدى رؤوف

مع كل انتخابات رئاسية إيرانية دائماً ما تحاول بعض التحليلات ووسائل الإعلام إيجاد علاقة بين الرئيس المقبل والعلاقة مع الخارج، كما لو أن الرئيس الإيراني المنتخب لديه سلطة رسم أهداف السياسة الخارجية، وآليات التحرك في ملفاتها. لكن واقع الأمر والذي أبرزته تصريحات وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف في أعقاب إتمام الاتفاق النووي مع الغرب عام 2015، ثم التسريبات الأخيرة المنسوبة له، والتي أبرزت انتقاداته لتدخل الحرس الثوري فى مجالات عمل الوزارة، يبرز دائرة صنع القرار الأهم في صنع السياسة الخارجية بل وفي الدستور الإيراني كذلك، فقد نصت مواد الدستور على هذه التوازنات في ما يخص رسم السياسة الخارجية وتنفيذها.

فنتج من الوضع الدستوري تمحور نخبة صنع القرار في إيران حول نخبة دائرة المرشد الأعلى الإيراني، وتشمل كلاً من المرشد الأعلى والحرس الثوري الإيراني. المرشد الأعلى، منصب استحدثه زعيم الثورة الإسلامية آية الله روح الله الخميني، انطلاقاً من نظريته للحكومة الإسلامية وحاجة الأمة لولي فقيه في زمن غيبة الإمام الغائب.

على أن يكون لهذا الولي السلطة السياسية والدينية معاً. وفقاً للدستور، فسلطة المرشد الأعلى بعيدة المدى وتمتد لكل مستوى تقريباً في مستويات عملية صنع القرار ومؤسساته.

ويحدّد الدستور في المادة (110) مسؤوليات وصلاحيات المرشد الأعلى كالتالي، تنصيب وعزل وقبول استقالة كل من: فقهاء مجلس صيانة الدستور، ورئيس السلطة القضائية، ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في إيران، رئيس أركان القيادة المشتركة، القائد العام لقوات حرس الثورة الإيرانية، القيادات العليا للقوات المسلحة وقوى الأمن الداخلي، وتنظيم العلاقة بين السلطات الثلاث، والمصادقة على تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه من قبل الشعب، وتحديد السياسات العامة لنظام طهران بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، الإشراف على تنفيذ السياسات العامة، وتعيين ستة أعضاء من مجلس خبراء القيادة المكون من 12 شخصاً وإصدار الأمر بالاستفتاء العام، قيادة القوات المسلحة، إعلان الحرب والسلام والنفير العام، وعزل رئيس الجمهورية.

وبشكل أساسي يتولى المرشد الأعلى اتخاذ القرارات النهائية بشأن التوجهات الأساسية للسياسة للخارجية الإيرانية وقضاياها الرئيسة، ونظراً لافتقار المرشد الثاني لإيران علي خامنئي الشخصية الكاريزمية لسلفه الخميني وشعبيته، فضلاً عن تدني رتبته الدينية بين كبار رجال الدين، فقد قام بتوطيد مركزه وسلطته كزعيم للبلاد عبر إنشاء شبكة من العلاقات الشخصية، فنجح خامنئي في إنشاء شبكة من الأتباع المخلصين والممثلين له في كل فرع من فروع الحكومة، وجعل دوائر السلطة المرتبطة به أكثر قوة، ما جعله يمتلك السيطرة على كل قضية يتدخل فيها.

بُعد آخر تتجلى فيه قوة وسلطة خامنئي وهي سيطرته على مفاتيح الاقتصاد غير الرسمي الذي يسيطر عليه النظام الإيراني والمؤسسات القريبة من خامنئي. وهو ما يلقي الضوء على العلاقة الوطيدة بين خامنئي وقادة الحرس الثوري ذوي النفوذ الاقتصادي، ورجال الدين المتشددين، ومن ثم دلالات ذلك على التنافس الفئوي بين التيارين المتشدد والمعتدل. هذا من جهة، ومن جهة أخرى ستتضح دلالات تلك العلاقة عند عملية "اختيار المرشد المقبل الثالث للجمهورية الإيرانية" بعد غياب خامنئي.

أما الحرس الثوري الإيراني، فقد حددت المادة (150) من الدستور الإيراني واجبات الحرس الثوري بأنها حراسة الثورة ومنجزاتها، ويمكن أن نجد أن ثمة غموض يكتنف المادة، التي لم تفسر حدود سلطات الحرس الثوري. وهو الأكثر تأثيراً سياسياً عن الجيش النظامي. ويعد المرشد هو القائد الأعلى للحرس الثوري الإيراني ويعين قائده، مما يبسط سلطته على قيادة الحرس الثوري لتقييد أي محاولات للتصرف وفق أجندة تختلف عن توجهات المرشد الأعلى. ويرجع تعاظم نفوذ الحرس الثوري سياسياً لاعتماد النظام عليه لقمع المعارضة منذ بدايات تأسيس النظام السياسي.

وقد تطور دور الحرس الثوري الإسلامي (IRGC) إلى ما هو أبعد من دوره الأصلي كحارس أيديولوجي للنظام الثوري الوليد، فحضوره قوي في النظام السياسي الإيراني الفصائلي، وبشكل عام يؤيد التيار المتشدد، كما تأتي العديد من الشخصيات البارزة من بين صفوفه. وقد امتد نفوذ الحرس الثوري في مجال السياسة الخارجية من خلال قوة القدس، إذ يقوم بممارسة النفوذ في جميع أنحاء المنطقة من خلال دعم الحركات والقيادات المؤيدة لإيران، وتقديم المشورة والدعم وتوصيل شحنات الأسلحة للتنظيمات المؤيدة لإيران أو لبعض الشخصيات في لبنان والعراق وسوريا وغزة والضفة الغربية وأفغانستان وآسيا الوسطى.

كما يلعب سلاح البحرية التابع للحرس دوراً في الدوريات التي تتم في مضيق هرمز. ويتجاوز نفوذ الحرس مجال السياسة الداخلية والخارجية إلى النشاط الاقتصادي، حيث يشارك بشكل متزايد في الاقتصاد ويعمل من خلال شبكة من التعاقدات في أعمال المقاولات والموانئ والاتصالات والطاقة.

أما السلطة التنفيذية فتشمل الرئيس، ووزير الخارجية، يُنتخب الرئيس مباشرة من الشعب، ومؤسسة الرئاسة تابعة بشكل واضح للمرشد الأعلى. وقد حاول كل رئيس توسيع سلطته النسبية إلى المرشد الأعلى، لا سيما في شؤون الأمن القومي لكن باءت المحاولات بالفشل، فغالباً ما يعوقها رجال دين وحلفاء الحرس الثوري الإسلامي وغيرها من المؤسسات القوية. ووفقاً لمواد الدستور، فإن صلاحيات رئيس الجمهورية هي رئاسة السلطة التنفيذية، وهذا يعني أنه يقوم مقام منصب رئيس الوزراء، وتم حصر صلاحيات السلطة التنفيذية بيد رئيس الجمهورية فقط وهي كالتالي: التوقيع على المعاهدات والعقود والاتفاقيات والمواثيق بعد موافقة مجلس شورى النواب، تولي مسؤولية أمور التخطيط والميزانية والأمور الإدارية للبلاد، وتعيين الوزراء، ومنح الأوسمة، وتعيين السياسة العامة لعمل الدولة ونهجها وتنفيذ القوانين، وقيادة مجلس الأمن القومي.

ويتمحور دور وزارة الشؤون الخارجية حول إدارة السياسة الخارجية الإيرانية وتنفيذ القرارات التي تم التوصل إليها من قبل كبار المسؤولين ولا سيما المرشد الأعلى، لكنها بصفة عامة، لا تلعب دوراً في مرحلة صنع السياسات والاستراتيجيات. ويعتبر البعض أن بذلك ينحصر دورها في كونها المروج الرئيس لمصالح إيران غير المتربطة بالأيديولجية.

ومما سبق، فإن المرشد الإيراني، علي خامنئي، لديه القول الفصل في جميع قرارات السياسة الخارجية الرئيسة. فإحدى مهام المرشد وفقاً (للمادة 110) من الدستور "تعيين السياسات العامة لنظام الجمهورية الإيرانية بعد التشاور مع مجلس تشخيص مصلحة النظام"، كما تنص المادة (176) على ألا تعتبر قرارات المجلس الأمن القومي الأعلى نافذة إلا بعد مصادقة القائد الأعلى عليها، أي المرشد، وفي الوقت نفسه ينص الدستور في الفصل التاسع باب السلطة التنفيذية المادة (113) على أن "رئيس الجمهورية يرأس السلطة التنفيذية إلا في المجالات التي ترتبط مباشرة بالقيادة العليا"، وهو ما يفسر كيف أن رئيس الجمهورية لا يمكنه أن يتبع سياسة خارجية لا تتفق وإرادة المرشد الأعلى للجمهورية، حتى لو كان يتمتع بتأييد شعبي واسع، فلا يمكن تبنيه السياسات التي يعارضها المرشد أو العناصر الأخرى ذات النفوذ في النظام. فقد تم اختزال صلاحيات الرئيس إلى منصب سكرتير تنفيذي، إلا إذا كان يتمتع بدعم العناصر القوية للنظام، لا سيما الحرس الثوري.

بالتالي غير دقيق القول إن الانتخابات الرئاسية الإيرانية ستلعب دوراً فى تحديد مسار المباحثات الجارية مع الولايات المتحدة بشأن الاتفاق النووي، أو أنها ستحدد مسار تحركات إيران الخارجية، الأمر سينعكس فقط على ما إذا إيران ستستخدم خطاباً سياسياً عدائياً أم تعاونياً، إنما المصالح والتطلعات الإيرانية ستظل ثابتة يتحكم بها دائرة المرشد الإيراني.