Skip to main content

طهران... وماتيس... واستقرار للمنطقة؟

وزير الدفاع الأمريكي المستقال
AvaToday caption
إنها الرسالة نفسها التي ينقلها ويمارسها على الأرض -قصفاً وقتلاً وتهجيراً وإلغاء كيانات
posted onDecember 24, 2018
nocomment

إياد أبو شقرا

لافتٌ خروج وزير الدفاع الأميركي الجنرال جيمس ماتيس من طاقم الرئيس الأميركي دونالد ترمب بسبب خلافات جوهرية بين الرجلين في وجهات النظر حول الاستراتيجية الدفاعية لواشنطن، ولا سيما في منطقة الشرق الأوسط.

ابتعاد ماتيس، الذي يأتي بعد ابتعاد عدد من كبار المولجين بملفات السياسات الخارجية والاستراتيجية خلال النصف الأول من ولاية ترمب الرئاسية، مسألة لا تبعث على الاطمئنان. ذلك أن هذا التخبط الظاهر في تقييم واشنطن للتحديات العالمية، واستفادة كل من روسيا والصين وإيران منه، يتوازى مع الشكوك المستعصية على التلاشي بأن موسكو وبكين وطهران سعت للتأثير في نتيجة الانتخابات الرئاسية الأخيرة التي حملت الرئيس ترمب إلى البيت الأبيض قبل سنتين. بل، والأسوأ منها، أنها تأتي وسط اضطراب وتأزم المشهد السياسي داخل حلفاء واشنطن الثلاثة الكبار في أوروبا الغربية، أي بريطانيا وفرنسا وألمانيا!

ولندع التحدّيين الأكبر لمكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى أولى، وهما تحدّي روسيا وتحدي الصين لواشنطن عالمياً، ولنركز فيما يخصّنا على مسرح الشرق الأوسط الإقليمي. هنا نجد أنفسنا وجهاً لوجه أمام المخطط الإيراني التوسّعي، الذي لا يبدو أنه -حتى اللحظة على الأقل- يربك حسابات الكرملين وحلفائه في بكين.

إيران، تحت قيادتها الحالية، قوة إقليمية ذات فلسفة وجود ومخطط سياسي وعسكري وثقافي وثأر تاريخي. وهي راهناً في تحالف سياسي واقتصادي كامل مع الصين، وأيضاً تحالف سياسي واقتصادي مع روسيا. ثم إنها منذ عام 2003، عندما أشرعت واشنطن أمامها أرض العراق، تمدّ نفوذها داخل عالم عربي محتقن ومضطرب ومُحبَط. ومن السرّية إلى العلنية... ما عادت أصوات المسؤولين الإيرانيين تتردد أو تخجل عندما تتكلم عن مشروع الهيمنة الإقليمية على الشرق الأوسط.

قبل أيام، في منتدى دولي استضافته عاصمة خليجية، قال وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف، بكل صلف، رداً على سؤال حول اتهام واشنطن لحكومته بـ«التدخل» في شؤون دول المنطقة: «نتدخّل؟! نحن من المنطقة، واشنطن هي التي تتدخّل. أما عن وجود عسكريينا في بعض الدول فهم موجودون بطلب من الحكومات الشرعية هناك!».

الأكاديمي والدبلوماسي، الذي درس في الولايات المتحدة، لم يخنه التعبير ولم يفته معنى السؤال، بل كان يدرك تماماً ما يقوله وما يريد توصيله إلى مستمعيه وإلى العالم. إنها الرسالة نفسها التي ينقلها ويمارسها على الأرض -قصفاً وقتلاً وتهجيراً وإلغاء كيانات- «زملاء» الدكتور ظريف في السلطة الإيرانية من جنرالات الحرس الثوري الإيراني وأتباعهم من حاملي الأسماء العربية في العراق ولبنان وسوريا واليمن وغزة. هؤلاء يعتبرون عرب المنطقة ضيوفاً ثقلاء عليها... وبالتالي، غير مرغوب فيهم، فإما يرتضون لأنفسهم بالتبعية الذليلة وإلا فالتهجير والاقتلاع.

أيضاً، بالأمس، نقلت وكالة أنباء «فارس» التابعة للحرس الثوري، عن الجنرال غلام علي رشيد، قائد ما يسمى «مقر خاتم الأنبياء» التابع بدوره للحرس، «تحذيراً لبعض أنظمة المنطقة من مغبة خلق ذرائع لتدخل القوى الاستكبارية» لأنها إذ ذاك «ستدفع ثمناً باهظاً»! الجنرال رشيد أتحفنا بهذا التحذير من جزيرة قشم، عند مضيق باب المندب، على هامش «مناورات الرسول الأعظم 12» التي أجرتها قوات الحرس الثوري. والأجمل أنه قال قبل التحذير، بدبلوماسية يحسده عليها جواد ظريف: «إن مساعينا تركز على إقامة أواصر أخوية وطيبة مع جميع بلدان الجوار لأننا نعتبر أمنها من أمننا»، قبل أن يكمل: «إلا أنني باعتباري قائداً لمقر خاتم الأنبياء أوجه، من ساحة مناورات القوة البرّية... التحذير لأي بلد يخلق الذرائع لتدخّل القوى الاستكبارية، إذ سيدفع ثمناً باهظاً لتصرفاته غير الصديقة والاستفزازية»!

الأواصر «الأخوية والطيبة»، طبعاً، شاهدها العرب والعالم في كل مكان حلّ فيه الجنرال قاسم سليماني و«فيلقه» المتخصّص في «تحرير» أي مكان إلا المكان الذي يحمل اسمه... «القدس»!

شاهدوها في تهجير ملايين السوريين، وفي صواريخ الحوثيين الباليستية على مكة والرياض، وفي تحويل العراق ولبنان إلى بلدان رهينة منقوصة السيادة ممنوعة من تشكيل حكوماتها من دون إذن ميليشيات سليماني و«حشوده» و«عصائبه» و«مقاوماته»!

هذه المشاعر «الأخوية» ما زال المجتمع الدولي يفضل الصمت المريب حيالها بدلاً من ردعها والتصدي لها. في المسار التفاوضي اليمني، الذي بلغ قبل أيام في استوكهولم محطة مهمة، كانت هناك عدة منعطفات غضّ فيها المجتمع الدولي -وبالذات الدول الغربية- الطرف عن الحقائق، وساوى بين الضحية والقاتل... بين الشرعية والانقلابيين. بل، حتى العقوبات الدولية ضد آلة الحرب والهيمنة الإيرانية انقسم المجتمع الدولي تجاهها، مع أنها لا تشكل سوى أضعف الإيمان لا أكثر.

هنا، وأمام هذه الخلفية مكمن الخطورة في استقالة الجنرال ماتيس.

لقد أقنعت القوى الغربية نفسها بخدعة موسكو، التي روّجها الكرملين لتبرير احتضانه لنظام دمشق منذ 2011، وهي أنْ «لا انتفاضة شعبية» في سوريا، بل جماعات إرهابية تستهدف الاستقرار والنظام في سوريا.

كان لا بد من مبرّر قوي لهذا الخدعة. وبالفعل، توافر مَن سهّل دخول آلاف المتشدّدين لإغراق الانتفاضة وحَرف مسيرتها وصبغها بالتشدّد والإرهاب، ثم مَن اضطلع بمهمة ضرب قوى الاعتدال المستقلة التي كان لها الفضل في انطلاق الانتفاضة. وهكذا، شيئاً فشيئاً، انتقل التركيز العالمي من مناظر المآسي واستهداف المدنيين... إلى «فظائع» داعش وشراذم السائرين في ركابها.

حتى واشنطن اعتبرت أن أي تدخّل بات محصوراً في القضاء على «داعش»، لا حماية الشعب السوري وإطلاق مسيرة التغيير السياسي السلمي.

ولكن، كما انقلبت الأدوار... فاتفق رعاة التشدّد مع المتذّرعين به، انقلبت مقاربة واشنطن على نفسها. فبعدما شجعت جماعات عدة، بينها الميليشيات الكردية، بالمال والسلاح والدعم العسكري من أجل القضاء على «داعش»، انقلبت بالأمس عليها بحجة أن التنظيم قد انتهى!

ماتيس وأمثاله غير مقتنعين بأن «داعش» انتهى. والأهم، أنه وأمثاله يدركون ما يعنيه السكوت عن مطامح طهران الإقليمية لمستقبل الشرق الأوسط!