Skip to main content

خامنئي لم يتحدث عن "عدم تأثير" العقوبات الأميركية

خامنئي أمام مواليه
AvaToday caption
نتذكر خامنئي وهو يدعي يومًا أن بلاده محصنة أمام العقوبات، نذكره في اليوم الآخر وهو يعترف بأن العقوبات تركت آثارها
posted onNovember 14, 2018
nocomment

حسين عليزادة

كان يوم الرابع من نوفمبر (تشرين الثاني) 2018، هو بداية الجولة الجديدة من العقوبات الأميركية الشاملة على إيران، هذا في حين بقيت الجمهورية الإسلامية ملتزمة بتعهداتها الثقيلة إزاء الاتفاق النووي، كما أن ترامب بانسحابه منه لا يرى نفسه ملزمًا بما جاء بالاتفاق النووي وحسب، ولكنه فرض عقوبات على إيران أكثر مما كانت عليه في عهد أوباما، عقوبات استهدفت الشريان الاقتصادي لإيران، وبعبارة أخرى، فإن العقوبات الأميركية الجديدة استهدفت ثلاثة فروع حيوية من الاقتصاد الإيراني، وذلك بغية شلها، وهذه الفروع الثلاثة هي:

- قطاع الطاقة، وتحديدًا الاستثمار والمساعدات الفنية، في مجال الصناعة النفطية.

- القطاع المالي، بما في ذلك التأمين والتعامل مع البنوك الإيرانية والبنك المركزي.

- قطاع النقل وخاصة الملاحة والنقل البحري.

وعلى ضوء ذلك، سيكون الوضع بشكل تواجه فيه إيران، من الآن فصاعدًا، عدة مشاكل، بدءًا من مكان إنتاج واستخراج البترول، إلى نقله، وفي النهاية تقاضي عوائده المالية.

إن عقوبات من هذا القبيل غير مسبوقة قط، في تاريخ العلاقات بين الدول، وكان رد فعل مرشد الجمهورية الإسلامية إزاء هذه العقوبات يختلف كليًا عن رد فعله على العقوبات التي كانت قد فرضت في عهد أوباما، حيث تحدث خامنئي يوم 3 نوفمبر (تشرين الثاني) 2018 أمام حشد من الطلاب، معتبرًا أن هدف أميركا من العقوبات الاقتصادية هو شل الاقتصاد وجعل البلاد متخلفة، وقال: "إن ما حدث في الحرب الاقتصادية هو عكس رغبة الولايات المتحدة، لأن الحركة تزايدت باتجاه الاكتفاء الذاتي والإنتاج الداخلي".

وكان هذا هو كل ما تحدث عنه خامنئي، مع بداية الجولة الجديدة من العقوبات الأميركية على إيران، ولكن هذه المرة لم يرد على لسانه الحديث عن الالتفاف على العقوبات.

ومن الجدير بالذكر أن نعلم أنه أثناء مرحلة العقوبات التي كانت قد فرضت على إيران في عهد أوباما، كان خامنئي في البداية قد قال: "إننا قد تحصنا إزاء هذه العقوبات"، كما قال أيضًا: "إننا نعيش ظروف بدر وخيبر"، و"نستطيع أن نواجه العقوبات بأشكال مختلفة، على سبيل المثال: الالتفاف على العقوبات تصرف جيد ولافت".

لكن في هذه المرة، ومع بداية المرحلة الجديدة من فرض العقوبات الأميركية على إيران، ليس لدى خامنئي ما يقدمه من ألفاظ تدعو للأمل، لأنه يتذكر جيدًا أنه في المراحل السابقة للعقوبات، أعطى أمرًا بـ”المرونة الشجاعة”، وهي مرونة- حسب قوله- من أجل دفع الشر.

بدأ الحديث عن “المرونة” بغية رفع العقوبات، في وقت كان فيه خامنئي قد تحدث في الأول من مارس (آذار) 2018، حيث اعتبر أكبر اعتراف تاريخي له، حين قال: "إن العقوبات التي وضعوها منذ أوائل عام 2012، شديدة، مثل عقوبات النفط، والبنوك والمبادلات البنكية والنقود بين الجمهورية الإسلامية وبقية البلدان الأخرى- أقول إن الأميركان أعربوا عن فرحهم وقالوا إن فلانا [خامنئي] قد اعترف بأن العقوبات قد أثرت، نعم العقوبات لم تكن دون تأثير، إذا أرادوا أن يفرحوا، فليفرحوا".

وقد وصلت ضغوط العقوبات في 23 يونيو (حزيران) من نفس العام إلى درجة جعلت خامنئي يقول: "نحن نسعى لرفع هذه العقوبات وإزالتها، لأن هدفنا من هذه المباحثات، هو إلغاء العقوبات، نحن نتابع بجد لكي تلغى هذه العقوبات".

وهكذا، فإن المرشد الذي كان يعتبر قبل ذلك بلده محصنًا ضد العقوبات، اضطر إلى الرضوخ للتفاوض مع الولايات المتحدة؛ وهو تفاوض بين "الإسلام المحمدي الخالص"، و"الشيطان الأكبر”، كما يراه.

وهذا شاهد على أن نظام الجمهورية الإسلامية قبل بالمباحثات النووية مع أميركا، ليس من موقع القوة، وإنما من موقع الضعف. إضافة إلى ذلك فقد بقي متمسكًا بالاتفاق النووي مع أوروبا من موقف الضعف أيضًا. بعبارة أخرى فإن تأثير العقوبات كان العامل المحرك للنظام من أجل المرونة، وهو ما اعتبره خامنئي في النهاية "خسارة كبرى بكل ما تعنيه هذه الكلمة من معنى" إلا أنه لم ينسحب منه.

والسؤال الذي يطرح نفسه الآن هو: هل هناك شخص غير خامنئي أرشد ترامب إلى طريق العقوبات الجديدة، فعندما نتذكر خامنئي وهو يدعي يومًا أن بلاده محصنة أمام العقوبات، نذكره في اليوم الآخر وهو يعترف بأن العقوبات تركت آثارها، وبأن أميركا "فرحت" بسبب هذا الاعتراف.

هذا في حين أنه في مكان آخر كان قد قال: "إن المرونة ضد هذا العدو– هي من المصلحة الوطنية الوقتية، طبعًا وإن كنا ندرك أنه لن يتوقف عن عدائه وحد سيفه، وإنما سوف يصبح أكثر وقاحة.. فكلما تنازلنا قليلا فإنهم في المقابل سيصبحون أكثر تطرفًا".

بهذه التوضيحات، ومع الأخذ بعين الاعتبار خطاب المرشد خامنئي الأخير، عشية الجولة الجديدة من العقوبات، فإنه حتى في سياق حديثه، لم يقدم شيئًا من أجل رفع معنويات المواطنين إزاء العقوبات، لأنه لم يعد يرى أن العقوبات نعمة، كما أنه لا ينصح بالالتفاف عليها.

محلل سياسي ودبلوماسي سابق