Skip to main content

الولايات المتحدة والتمدد الإيراني

متظاهرون يحرقون العلم الأمريكي
AvaToday caption
القوات الأميركية ستبقى في سوريا الى أن يتم إخراج المقاتلين الذين يأتمرون بأمرة إيران من سوريا
posted onDecember 10, 2018
nocomment

سام منسى

كثرت التساؤلات حول ما إذا كان ثمة تغيير في الموقف الأميركي من الحدث السوري، جراء تطورات عدة ترجح وجهة النظر التي تقول إنه على الرغم من غياب سياسة أميركية واضحة خاصة بسوريا، لن يتم التوصل إلى تسوية للأزمة السورية دون موافقة واشنطن، وأنها قادرة على تعطيل كل المحاولات في هذا المجال، لا سيما تلك التي تعطي الغلبة لروسيا وإيران.

فمراجعة مسار السياسة الأميركية إزاء الأزمة السورية منذ انطلاقها في عام 2011، تفيد بأن واشنطن غير مبالية بالشأن السوري، كما ظهر في قمة هلنسكي الأميركية الروسية، وأن الهم الأميركي يتركز على إيران. المبعوث الأميركي، جيمس جيفري، يعي جيداً هذه النقطة المحورية، ولذلك نجده اليوم يحاول أمام الإدارة الأميركية مقاربة الموضوع السوري من البوابة الإيرانية، ويدعو في مواقفه المعلنة، وبإلحاح، إلى إنهاء مساري آستانة وسوتشي، مؤكداً على فشل الدبلوماسية الروسية في الجمع بين إيران وتركيا لتحقيق عملية دستورية - سياسية انتقالية في سوريا.

من على منبر وزارة الخارجية الأميركية في واشنطن، وفي أعقاب لقائه مع كبار الدبلوماسيين في بلاده، دعا جيفري أمام الصحافيين إلى وقف التنفس الصناعي لمسار آستانة قائلاً بتعبير درامي: «فلندعه يموت!».

من حقنا أن نتساءل عن حيثيات هذه التصريحات، وما إذا كانت تشي بتعديل ما باتجاه البوصلة الأميركية في سوريا، والإجابة السريعة هي أنها تحمل في طياتها قديماً وجديداً.

القديم هو أن الدبلوماسية الأميركية لن تعترف بأي شرعية للوجود الروسي في سوريا ما لم يتم التجاوب مع المطالب الأميركية، وأولها العودة إلى مرجعية جنيف.

أما الجديد في تصريحات جيفري فهو دعوته الممثل الأممي الجديد غير بيدرسون إلى تغيير قواعد التعامل مع الشأن السوري، إذ إن سلفه ستيفان دي مستورا فشل في إدارة المرحلة الانتقالية والتوصل إلى تسوية للنزاع في سوريا.

والجديد أيضاً هو تشديده على أن القوات الأميركية ستبقى في سوريا حتى تحقيق الهدف الأساس وهو تدمير القدرات القتالية لـ«داعش»، إضافة إلى إخراج المقاتلين الذين يأتمرون بأمرة إيران من سوريا، وبالتالي تحجيم نفوذ طهران فيها وهذا ما تبغيه إدارة ترمب. هذا الهدف يبرر ما قاله حول ضرورة إنهاء مسار آستانة، حيث يجد النفوذ الإيراني في سوريا من على منصتها شرعية عبر علاقاته مع تركيا وروسيا.

وهذا يفسر كذلك إصرار جيفري على التواصل مع تركيا عله يسد نافذة مفتوحة على إيران من إسطنبول، كما يفسر الضغوط على تركيا كي لا تتمادى في التقارب مع إيران في سوريا.

وذهب المبعوث الأميركي إلى حد طرح احتمال فرض منطقة حظر جوي في الأجواء السورية، بما يذكر بالخطط الأميركية في العراق في تسعينات القرن الماضي، وفي هذا تلميح إلى تركيا بأن الولايات المتحدة عازمة على حماية أكراد سوريا في سياق خطة ترمي إلى إخراج إيران منها. إنْ تحقق فرض حظر جوي، فإن تركيا ستكون محرجة في اختيار الطرف الذي ستنحاز إليه: واشنطن أم طهران.

في المقابل، إذا كان هدف إخراج إيران من سوريا واضحاً كأولوية في السياسة الأميركية، تبقى الخطة الموصوفة لتحقيقه ضبابية الملامح أقله للناظر إليها عن بعد. وهذا ما يجعل الكثير في أوساط المعارضة السورية، كما في مجتمع المراقبين، يشككون في جدية الموقف الأميركي من إخراج إيران من سوريا، متهمين إدارة ترمب بأنها لا تزال تخطو على خطى إدارة أوباما في ترك المجال مفتوحاً أمام إيران لتوطيد نفوذها على التراب السوري، على الرغم من قدرتها من حيث المبدأ على قلب المعادلات.

وتشكك أوساط المعارضة نفسها في نجاح جيفري بإقناع تركيا بالتراجع عن اعتبار الأكراد في سوريا تهديداً وجودياً لها. وهناك من يشك في قدرة المبعوث الأميركي على إقناع الأتراك بمراعاة المصالح العربية في سوريا وعدم الجنوح نحو دعم إيران فيها، وأن تعي تركيا ما قاله المبعوث نفسه من أن الأسد عار على البشرية، وأكبر مجرم حرب، وأنه باق بفضل إيران، وأن إيران هي جزء من المشكلة لا من الحل. وإن لم تقتنع تركيا بذلك، فإن الموقف الأميركي سيصر على أن لا إعمار في سوريا دون تسوية سياسية، ولا تسوية سياسية ممكنة بوجود «داعش» وإيران على الساحة السورية.

ما يعزز موقف هؤلاء المشككين تجربة المنطقة مع التدخلات الأميركية فيها بشقيها الدبلوماسي والعسكري من جهة، والواقع الجديد الذي يشهده الشرق الأوسط على صعيد الانتفاخ الذي أصاب بعض قواه الإقليمية من جهة أخرى، وتضاف إلى هذين العاملين عودة روسيا إلى الساحة الدولية من سواحل المتوسط. لطالما جنحت الولايات المتحدة في جهودها الدبلوماسية إلى اعتماد الحلول المؤقتة والمجتزأة لمشكلات المنطقة، كما أنها لم تذهب يومياً في تدخلاتها العسكرية إلى «الأخر» كما يقال، كما فعلت سابقاً في لبنان والعراق واليوم في سوريا. ومن النافذة اللبنانية، هل الموقف الأخير المتشدد لرئيس الحكومة اللبنانية المكلف سعد الحريري والرافض لشروط «حزب الله»، يشي باستشعاره جدية الجهود الإقليمية والدولية، على رأسها جهود واشنطن في الحد من النفوذ الإيراني في المنطقة؟

وفي هذا السياق نذكر المهللين لانتصار الأسد بأن توقف الأعمال القتالية في سوريا لا يعني تحقيق السلام فيها، لا سيما في ظل انقسام خمس قوى خارجية حول أزمتها. هذه القوى تتفاعل مع الأطراف الداخلية المتنازعة ما يعزز مخاطر الانزلاق في أي وقت إلى عودة الحرب العسكرية. إن جولة أفق سريعة على منطقة إدلب وشرق سوريا وجنوبها لن تخيب ظن المشككين.

يبقى أن على الولايات المتحدة المضي قدماً في وضع خطة واضحة وصريحة إذا ما أرادت حقاً وقف التمدد الإيراني في المنطقة وتدخلات طهران في شؤون دولها الداخلية.