Skip to main content

العراقيون وغلق السفارة الأميركية... سباق مع الزمن

من مظاهرات العراق
AvaToday caption
الحل الأسهل والأمثل كما يبدو الآن لتجنب حصول ذلك هو قيام حكومة العراق بالسيطرة على الميليشيات وسلاحها ووقف الهجمات على المصالح الأميركية
posted onOctober 6, 2020
nocomment

منقذ داغر

سواء اتُخذ قرار غلق السفارة أم لم يتخذ بعد فإن المؤكد أن الإدارة الأميركية أرسلت رسائل قوية للحكومة العراقية ولقوى العملية السياسية في العراق مفادها أن صبر الأميركيين قد نفد تجاه استمرار ضرب السفارة والمصالح الأميركية والغربية الأخرى في العراق. وأن الأميركيين لم يعودوا قادرين على عدم الرد أكثر من ذلك. وقد كان مساء يوم 27 سبتمبر الجاري بروفة أولية للتعرف على ردود الأفعال السياسية والشعبية العراقية تجاه محاولة التصعيد الأميركية التي لوحت بها الإدارة خلال الأيام الماضية.

لقد اشتعلت مواقع ومنصات الإعلام العراقية بالأنباء عن مغادرة السفير الأميركي لبغداد وغلق السفارة، ووصلت التصورات بالبعض إلى انتظار إعلان الرئيس دونالد ترامب في إيجازه الصحفي الاستثنائي لمساء يوم الأحد 27 سبتمبر عن قرار الولايات المتحدة بغلق السفارة ومهاجمة الميليشيات المدعومة إيرانيا بل وحتى فرض عقوبات مماثلة للعقوبات الأميركية المفروضة على إيران.

وعلى الرغم من أن المؤتمر الصحفي لترامب انتهى دون حتى الإشارة للعراق، إلا أن النخب السياسية والأوساط الشعبية في العراق لا تزال قلقة جدا من احتمال غلق السفارة وما سيعقب ذلك من عواقب قد لا تنحصر بمهاجمة مواقع وقيادات في الميليشيات الشيعية بل وتتعداها لوضع العراق تحت طائلة العقوبات الأميركية وهو ما يذكر العراقيين بما قد يكون أسوأ كوابيسهم التي خبروها في العصر الحديث وهو الحصار الاقتصادي الذي امتد طيلة الاثنتي عشرة سنة التي سبقت سقوط النظام السابق.

إن مجرد التلويح بهذا الاحتمال خلق موجة كبيرة من الهلع في العراق رغم أن هذا الخيار لن يصب في مصلحة الولايات المتحدة، لأنه يعني ببساطة قبول أميركا بالتخلي النهائي عن العراق ووضعه في سلة واحدة مع إيران. هذا يعني بالتأكيد خسارة كل ما استثمرته أميركا في العراق طيلة العقود الماضية! مع ذلك فإن سبب هذا الهلع لدى العراقيين من هذا الاحتمال هو ما جرّبوه سابقا من قسوة العقوبات الاقتصادية والسياسية على كل مناحي الحياة.

وهذا صحيح بشكل خاص، مع العلم أن العراق لم يعد كما كان في التسعينيات يملك قاعدة صناعية وزراعية لا بأس بها تمكنه من التكيف (نسبيا) مع تبعات الحصار، حيث أصبح العراق الآن أضعف بكثير من الناحية الاقتصادية مما كان عليه في فترة التسعينيات. كما أن العراقيين القلقين من هيمنة إيران على مقدراتهم، يخشون أن مثل هذا القرار الأميركي بوضع العراق مع إيران في سلة واحدة سيؤدي إلى إنهاء أي أمل لديهم بتحسن الأوضاع واستعادة سيادتهم المسيطر عليها من قبل إيران إلى حد كبير، وهذا كابوس آخر لا يقل رعبا عن كابوس الحصار الاقتصادي والسياسي في التسعينيات.

وإذا كان عقدي الثمانينيات والتسعينيات قد أديا إلى موجة الهجرة الأولى للعراقيين، والعقدين الأولين من الألفية الثانية قد خلقا موجة نزوح وهجرة هائلة ثانية فإن احتمال فرض عقوبات أميركية جديدة على العراق سيؤدي بلا شك إلى موجة هجرة عراقية ثالثة قد لا تقل عن تلك التي خلقها احتلال تنظيم "داعش" للمناطق السنية عام 2014. هذا فضلا عن احتمالات الفوضى السياسية والاجتماعية التي سيخلقها تدهور الأوضاع الاقتصادية والسياسية والتي قد تقود إلى انفصال أجزاء معينة من العراق وأولها كردستان وقد يكون ثانيها المناطق السنية.

تفيد المعلومات الآتية من واشنطن أن القرار الأميركي بغلق السفارة بات جاهزا إن لم يكن قد اتُخذ فعلا. إن الاحتمال الأرجح أن هذا القرار سيؤدي إلى سحب كل الدبلوماسيين والمتعاقدين الأميركيين من بغداد وباقي المناطق الخاضعة لسيطرة الميليشيات مما يقلل من احتمالات تعرضهم لخسائر في حال قرر الأميركيين مهاجمة تلك الميليشيات.

ويبدو أن الأميركيين يفترضون أن هذه الهجمات التي ستشنها القوات الأميركية ستلاقي ترحيبا (غير معلن) من أطراف عراقية معينة وغض نظر من أطراف أخرى بضمنها أطراف رسمية عراقية. وبعد الهجوم الأخير بالصواريخ على قاعدة الحرير في أربيل والذي يريد إيصال رسالة مفادها أن الأميركيين لن يكونوا بأمان من نيران الميليشيات حتى وإن غادروا بغداد فإن إبعاد الأميركيين المتواجدين في العراق عن أي خطر محتمل سيمثل أولوية قصوى قبل بدء أي تحرك عسكري من الجيش الأميركي.

إن الحل الأسهل والأمثل كما يبدو الآن لتجنب حصول ذلك هو قيام حكومة العراق بالسيطرة على الميليشيات وسلاحها ووقف الهجمات على المصالح الأميركية. ورغم أن ذلك قد يبدو صعبا في ظل ضعف الإمكانات المتاحة لحكومة مصطفى الكاظمي للقضاء على هذه الميليشيات إلا أن العوامل الآتية قد تفيد الكاظمي كثيرا في مواجهته مع الميليشيات إذا كان جادا فيها:

1. دعم المرجعية الدينية في النجف لهذا التوجه بخاصة بعد البيان الذي أصدره مكتب السيستاني قبل بضع أسابيع بعد لقائه بجينين هينيس ـ بلاسخارت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة في العراق.

2. الشعبية الكبيرة التي بات يتمتع بها الكاظمي حيث تشير آخر استطلاعات الرأي التي أجريتها مؤخرا أن حوالي 80 في المئة من العراقيين منهم أكثر من 70 في المئة من الشيعة لديهم رأي مفضل جدا أو مفضل تجاه الكاظمي. في ذات الوقت فإن ذات الاستطلاعات تشير إلى ضعف كبير في شعبية تلك الميليشيات في المناطق الشيعية.

3. الدعم الأميركي والدولي لضرورة التخلص من نفوذ الميليشيات في العراق بخاصة بعد أن امتدت هجماتها لتصيب بعثات ومصالح أخرى غير أميركية. وفي حال تبدل الإدارة الأميركية الحالية فإن الكاظمي قد يفقد أي إمكانية للحصول على دعم أميركي مماثل لما قد يحصل عليه الآن.

إن عامل الزمن يعمل لصالح الميليشيات وليس لصالح الكاظمي وحكومته، لذا فإن أي تأخير لي اتخاذ قرار حاسم تجاه هذه الميليشيات قد يجعل الأميركيين يتحركون عسكريا لأخذ زمام المبادرة. وفي حال حصول ذلك فإن احتمالات الفوضى السياسية والاقتصادية التي أشرتُ لها في أعلاه واردة جدا وسيكون من الصعب إيقاف تداعياتها الخطيرة.

لكن الواقع يشير إلى أن هذا الاحتمال، إن حصل، سيؤدي إلى تحريك إيران لجميع أذرعها الإعلامية والسياسية فضلا عن العسكرية داخل العراق مما يجعل الكاظمي بين مطرقة الأميركيين وسندان الإيرانيين ويجعل من الصعب عليه دعم الهجمات الأميركية أو السكوت عنها. وفي حال اضطر لاستنكار هذه الهجمات والمطالبة بإيقافها فإنه يخاطر بإمكانية غضب إدارة ترامب ووضعها العراق في نفس سلة التعامل مع إيران.

ومما قد يزيد الأمر سوءا هو احتمالات الرد من قبل الميليشيات ومن يدعمها عسكريا على الهجمات الأميركية وهذا مما قد يجبر الأميركيين على إرسال المزيد من القوات وخلق تعقيدات كبيرة للإدارة القادمة للبيت الأبيض حتى وإن كانت ديمقراطية. بالتالي فإن احتمالات إصلاح الأمور (كما يأمل الإيرانيون ومن يتبعوهم في العراق) مع أميركا بعد فوز بايدن، ستكون هي الأخرى معقدة وصعبة جدا من الناحية العملية مما يؤذن باحتمالات مواجهة عسكرية وسياسية طويلة بين أميركا وإيران على أرض العراق وإدخال العراق في نفق مظلم وطويل.